December 12, 2022December 13, 2022 الفصل السادس. النظام الأعظم هدأت سرعتها وخف ضجيج المحركات، بدأت مناورةُ الرسو في الميناء، انسابت ببطء نحو اليسار واقتربت ميمنتها من الرصيف بهدوءٍ تام، ارتطمت بخفةٍ في الإطارات على جدار الرصيف، وفي لمح البصر هبط جسرها، وتحرك أكثر من ثلاثمائة راكب، اكتظت بهم البوابة خروجاً. أهالي المدينة معتادون على هذا المشهد بصورة يومية، لا شيء يثيرهم به، يريدون الخروج على جناح السرعة لأعمالهم، وكثيرٌ من السياح كانوا على عجلةٍ من أمرهم، يودون إكمال جدولهم المزدحم. عدا روبرت، بقي في الطابق العلوي يراقب الموجة البشرية وهي تتدفق خارجاً، وفي غضونِ دقيقتين، توقف كل شيء! انتهت عملية الخروج سريعاً، وبدأ دخول مئات العابرين الجدد! رتم الحياة في إسطنبول سريع! سريعٌ للغاية، كافح وهو يمشي عكس موجة القادمين حتى تمكن من الخروج. سار يميناً من بوابة الميناء الرئيسية، نحو ميدانٍ واسعٍ. وهناك كما هو الحال في كل مكان في إسطنبول تقريباً، العديد من أكشاك الباعة المتجولين، الذرةُ المشوية، كعك السميت، بلح البحر، القهوة، الشاي. من المفترض أن يلتقي الشيخ رسلان هنا في الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، بقيَ عشر دقائق، لا تكفي لتناول أي شيء غير قرصٍ من كعك السميت. “إيكي ليرا” تعني ليرتان، قال البائع. دفع روبرت خمس ليراتٍ ورقية، ترك له الفكة، مشى بجوار المضيق. بعد لحظات رن هاتفه، المتصل – الشيخ رسلان الشيخ: مرحباً يا صديقي هل وصلت؟ -نعم أنا في المكان المتفق عليه -أنا كذلك، صف لي ما حولك -باعةٌ متجولون كُثر ضحك الشيخ، إنهم في كل مكانٍ في إسطنبول: صف لي شيئاً آخر التفت حوله: أنا في ميدانٍ كبير قريبٌ من رصيف السفن -هل ترى علامة قطار الأنفاق، حرف “إم” أبيض خلفيته بالأحمر والأزرق؟ -نعم إنه هنا ليس ببعيد، على يساري مباشرة -جيد، قف على باب مدخل قطار الأنفاق بالضبط بعد لحظات أحس بيدٍ تربت على كتفه، رجلٌ في العقد الخامس من عمره، أبيض البشرة، تخلل الشيب لحيته الطويلة، عيناه بلون الشمس، رفيع الأنف، نحيل الجسد وطويل القامة، يضع عمة بيضاء تخللها شيء من اللون الأحمر، يرتدي عباءة رمادية اللون فوق رداء أبيض، خط الزمن على محياه لوحة من الخطوط تختصر حكاية البشر، إنه هو لا محالة، الشيخ رسلان. -روبرت صحيح؟ -نعم، أنت الشيخ رسلان؟ -نعم، أخيراً نلتقي، انه شرف لي -الشرف لي يا سيدي، في الحقيقة لم أتوقع أني سآتي، ولكنك قدمت لي عرضاً لم أستطع رفضه. قهقه الشيخ، وهو يربت على كتفه: سنذهب، لا تتعجل، هل تناولت الغداء؟ -شكراً لك لستُ جائعاً، بل متلهفاً للذهاب. عبروا الشارع باتجاه ميدانٍ أخر، فإسطنبول تعج بالميادين، إنها في كل مكان، كلها تتشابه، وكأنها نسخة كربونية، العديد من حافلات النقل تقف على جانب الطريق، توقع أن يركبوا إحداها، لكن لم يحدث، استمروا بالسير بعيداً عن الميناء، في حين بدا الشيخ كدليل سياحي يعرفه على المنطقة. بعد خمس عشرة دقيقة عبر الأحياء، هل تعبت؟ قال الشيخ روبرت: لا، يمكنني السير أكثر الشيخ: ليس اليوم يا صديقي، لقد وصلنا أشار برأسه إلى أحد أبنية المنطقة، قديم وبطابقين، أُغلق ببابٍ حديدي أسود زُخرف بالخط العثماني القديم، طُلي البناء باللون الأصفر الفاتح، عمل الزمن قانونه الأعظم فيه، كشف ستره وظهر لون الحجر الأصلي في مناطقَ عشوائيةٍ منه حيث تفتت عنها الطلاء، لوحةٌ فنية بتوقيع الفوضى، النظام الأعظم. أحد الأسباب التي جعلته شغوفاً بالفيزياء منذ كان طفلاً، حركة الغيوم، والطريقة التي تنساب بها في السماء مُشكلة أشكالاً فوضوية، تتداخل فيما بينها بما يبدو أنها عشوائية مطلقة، وما بين الحركة والسكون، يرتسم شكلٌ مألوف، سرعان ما يتبدد في خضمِ الفوضى. هل نحن عشوائيون كما الغيوم؟ هل هناك شيءٌ من النظام وسط هذا كله؟ ما هو؟ وما هو معيار قياسه؟ لماذا اتخذت هذه الغيمة هذا الشكل تحديداً، وكيف؟ أسئلةٌ كثيرة، وحين وجد بصيص أمل للإجابة، تعلق قلبه بكامبردج، معهد ماساتشوستس الرائد في علم الفوضى والعشوائية، من هنا كانت أعظم الدراسات والقفزات في هذا العلم. تسمى بأثر الفراشة، وهو مصطلحٌ مجازي يستخدم للتعبير عن حساسية أي نظام حركي للحالات الأولية، مثل أن رفرفة جناحي فراشةٍ في الصين قد تتسبب بعد عام بوقوع إعصارٍ في أمريكا، أو منع وقوع أخر في أوروبا. وهو تعبيرٌ عن أهميةِ الحالات الأولية لأي نظام، والتي مهما كانت صغيرة وغير مؤثرة، فإنه ينتج عنها سلسلة من الأحداث تتفاعل ويعظُم تأثيرها تدريجياً حتى يصبح ملموساً وواضحاً ومؤثراً. والحالات الأولية بمعنى آخر، هي تلك التفاصيل الصغيرة، الصغيرة جداً، التي لا يعيرها أحدٌ الاهتمام غالباً. -جدتي تعلم هذا! هكذا أحب روبرت أن يبدأ حديثه متحدثاً عن الفوضى أثناء تقديمه لمحاضرة أمام طلاب المرحلة الثانوية في إحدى زياراته التثقيفية. -في الحقيقة الجميع كان يعلم هذا، فلعل شجاراً صغيراً يقع الآن في باريس بين سائحين يتسبب بعد عام بوقوع حرب عالمية، فالأحداث الكبيرة تبدأ دائماً من شيءٍ تافه لم يعره أحدٌ أية اهتمام، فقط امنحه الوقت اللازم، وسيبهرك بمدى تأثيره. الجميع كان يعلم إلا علماء الفيزياء، ورائدهم نيوتن، الذي أصر على أن النتائج لا تتأثر بالفروقات البسيطة في الحالات الأولية، فلو انطلق منطادان في مسار واحد، وانحرف أحدها بفارق ميليمترات قليلة عن مساره، فسوف يصلان إلى نفس الوجهة بفارق بضع مليميترات فقط. لكن أن ينتهي المطاف بالأول في أمريكا والثاني في شرق آسيا نتيجة هذا الانحراف البسيط جداً في مسار أحدهما هو أمر مستحيل. وبصورة اجتماعية أكثرَ بساطة، إن علمت طفلاً كلمة سيئة اليوم، فإنك غير مسؤولٍ إلا عن هذه الكلمة، فلا علاقة لك بالعشر كلمات التي سوف يتعلمها في اليوم التالي، هكذا تمنى نيوتن، بينما جدتي كان لها رأي آخر، قالت إن كلمتك التي علمته إياها كانت السبب الرئيسي في تعلمه العشر كلمات. هذا ما أرادت الفيزياء الكلاسيكية، “النيوتنية”، فجدتي غيرَ قادرة على إثبات وجهة نظرها بقانون كما هم قادرون، فهي تعتمد على شيءٍ ما في داخلها غير العقل، أما الفيزيائيين فهم رهائن عقولهم، يتبعون المعطيات والدلائل، عبيدٌ لها. أرادوا أن يشعروا بنشوة الفهم، السيطرة، اليقين، رفضوا العشوائية والفوضى، قالوا وقال نيوتن أن الفوضى لا مكانَ لها في هذا العالم، فهو عالمٌ من النظام المُحكم، والقوانين الثابتة، كلُ ما علينا هو أن نفك شيفرته وقد فعلنا. وها أنا أترك بين أيديكم حزمة من القوانين لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ولكن، هناك من اكتشف لاحقاً أن العشوائية في هذا الكون ليست على هامشه، بل قد تكون هي الكون بأكمله. البداية عندما قرر عالم الطقس “لونتز” في عام 1961 أن يوفر على نفسه بعض الوقت في العمليات الحسابية الخاصة بتوقع الطقس، ولأن لا فرق يذكر بين الرقم 0.506126 والرقم 0.506 إلا مقدارٌ ضئيل جداً ولا يؤثر شيئاً، قرر أن يدخل الثاني بدل الأول، فالفارق لا يستحق عناء طباعته. حذف الرقم 0.000126 واحدٌ بالألف تقريباً من الرقم الأصلي، كم هذا الفارق ضئيل، يكاد يكون لا يُذكر. ثم خرج يحتسي فنجان قهوةٍ في الفناء ينتظر انتهاء حاسوبه البدائي من نتائج الطقس المتوقعة، وعندما عاد، لم يصدق ما تراه عيناه، لقد اختلفت نتائج حالة الطقس بصورة مهولة، مهولة جداً! كرر العملية، حصل على نفس النتائج، واحد بالألف فقط تسببت بتغيرٍ جذريٍ وكامل في حالة الطقس بعد عدة أيام، وهنا كانت البداية، فقد تم إثبات كلام جدتي بالدليل العلمي. تطور علم الفوضى سريعاً، وبدأ العلماء يلاحظون غموض العشوائية، يكتشفون هذا النظام المحسوس فيها. وسرعان ما اكتشفوا أن كلَ شيءٍ في هذا الكون له نقطة معينة، إن وصلها فحينها لا مجال للعودة. حسناً، جدتي أيضا كانت تقول هذا، لطالما قالت لا تصلْ دوماً نقطة اللاعودة، وما يُكسر لا يمكن إصلاحه. إلا أن مشكلتها الوحيدة أنه ليس لديها شهادةً في علم الفيزياء. سماها العلماء نقطة الإنتروبي، ففي أي نظامٍ حركي هناك نقطة الإنتروبي، إن وصلها، انتهى النظام. لن يعود أبداً كما كان، والكون يريدها، يريد إيصال أي نظام لها، هذا الكون يقاتل من أجل الإنتروبي. السبب؟ هو التبادلية، نظام الكون العام، فهو يكره الاحتكار، يرفضه، يعزز التبادلية بين جميع مكوناته. فلو غليت إبريقاً من الماء، فنقطة الإنتروبي لهذا النظام هي عندما يبدأ التبخر، لن يمكنك تجميع البخار على شكل ماء من جديد في الإبريق. ما لم تستخدم وسيلةَ تحكم للسيطرة عليه وإعادة تكثيفه فوق الإبريق. ولو تركت كأساً على الطاولة، فلن يكن لهذا الكون هاجسٌ إلا تحطيمه، واحداً من تريليونات الهواجس الكونية الأخرى، نعم يستغرق الأمر منه مئات السنين، ربما الآلاف منها إن كان الكأس من الحديد الصلب، ولكن في النهاية سوف يحطمه، فالكون لديه الكثير من الأدوات، ولديه الكثير الكثير الكثير من الوقت. فكم هو سهلٌ أن تهدم ناطحةَ سحابٍ، فأنت بفعلك هذا تساير تيار الكون العام، وهو بكل قوانينه سيدعمك، ولكن بناءها؟ عندما تعاكس هذا التيار! فهو أمرٌ مختلفٌ تماماً، فالكون يسير نحو الهدم، الموت، الإنتروبي، بل ويريده. فيما بعد ظهر رواد في علم “السيبرنتيك”، أو علوم التحكم، علم آخر مهمته السيطرة على العشوائية، تلك العشوائية التي تتداخل في حياتنا وحولنا في كل مكان، تُنغص علينا حلاوة اليقين، ونشوة السيطرة. حاولوا التحكم بها. في الحقيقة هو ليس تحكم بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هو تحييد الأثر الضار، بوسائل عديدة من بينها تقوية الأثر النافع، والسبب في ذلك هو وقوفنا عاجزين أمام حجم الأسباب المتوقعة والظروف اللحظية الممكنة في هذا العالم. فلا يمكننا إحصاءها كلها، ناهيك عن استباق كل شكل قد تتخذه في ظرف معين، أو ما ينتج عنها عندما تكون حاضرة لأسبابٍ أخرى. بعيداً عن أي تعقيد محتمل، إن طلبتُ منك أن تعطيني عدد الاحتمالات لكلمةِ مرور مكونة من رقم من خانة واحدة فقط فكم عدد الاحتمالات التي ستذكرها؟ نعم سهلٌ جداً، عددها 10 فقد تكون 0 أو 1 أو 2…. أو 9. المعادلة هي عدد الأرقام (10) مرفوع للقوة (1) وهو عدد الخانات. حسناً لو طلبت منك تخمين كلمة مرور مكونة من خانتين فقط من الأرقام، يكون الجواب 10 مرفوعة للقوة 2، أي 10 مضروبة في نفسها مرتين، وتساوي 100 احتمالٍ مختلف. ماذا عن 3 خانات؟ عدد الاحتمالات 10 مرفوعة للقوة 3 وتساوي 1000، ما زال بإمكاننا تخمين ألف كلمة مرور. ولكن ماذا عن كلمة مرور عدد خاناتها 9 أرقام؟ يكون الجواب 1 أمامها 9 أصفار، مليار احتمال! هذا ونحن نتحدث عن كلمة مرور مكونة من 9 أرقام فقط. رغم ضخامة الرقم إلا أنه ما زال بإمكان الحواسيب تخمينها في وقتٍ مقبولً نسبياً، ربما ساعة أو ساعتين أو عشرة، حسب قدرة الحاسب. لكن ماذا لو سمحنا لك باستخدام الرموز والأحرف في هذه الكلمة، وتركنا لك المجالَ مفتوحاً بالنسبة لاختيار عدد الخانات؟! تماماً كما ينصحك أي تطبيق عندما تنشئ كلمة المرور ست خانات على الأقل حرف واحد كبير على الأقل رقم واحد على الأقل رمز واحد على الأقل هل تعلم ماذا يعني اشتراطَ رمزٍ واحدٍ على الأقل في كلمة المرور؟ هذا يعني أن الرموز قد دخلت في اللعبة، عدد الاحتمالات قد زاد مليارات إضافية، ومع احتمالية وجود الحروف الكبيرة والصغيرة، ازدادت تريليوناتٍ أخرى. ومع ترك عدد خانات كلمة المرور مفتوحاً، يمكنك جعلها ستة، أو عشرة، أو مائة، وإذا كنت من محبي التعقيد، وقررت جعل كلمة مرورك شيئاً مثل هذا. anMj@#KKlkjh@wBn_-8m#678@er@09i&y فلا يوجد كمبيوتر على وجه هذه الأرض، إلى يومنا هذا، يمكنه تحمل صدمة تخمين احتمالات كلمةِ مرورٍ كهذه. بالطبع المخترقون للبريد الإلكتروني يستخدمون غالباً وسائل أخرى لمعرفتها لا علاقة لها بالاحتمالات، كأن يقوموا باختراق جهازك وسرقة الأحرف في أثناء طباعتك لها على لوحة المفاتيح. أو من خلال الحقن؛ حقن رابط إلكتروني بجملةٍ برمجية يخترقون من خلالها اتصالك بشبكة الإنترنت، ويسرقوا كلمة المرور أثناء انتقالها من جهازك إلى الموقع. هذا في حالِ لم تكن مشفرةً بالتأكيد. أو يلجئون إلى آلية التخمين، برمجيات تقوم بتجربة احتمالات كلمة المرور، ولو كانت كلمة مرورك ضعيفة مثل 123456، فمن المرجح أن ينجحوا في تخمينها، ولكن لا تقلق، فقد فطن لهذا مبرمجو التطبيقات، وهذا هو سبب منعك من محاولة تسجيل الدخول من جديد لساعةٍ أو ساعتين بعد عدد من محاولات دخول فاشلة، وهذا أيضاً يفسر سبب وجود صورة التحقق العشوائية للتأكد من أنك لست برنامج تسجل اّلي “روبوت”. وفي حالات الحسابات البنكية مثلاً، فهناك أنظمة حماية عالية جداً، فسيتم تجميد حسابك بصورة ٍكاملة عند الشك أن هناك من يحاول اختراقه، وسيطلبون منك مراجعة فرع البنك الخاص بك أو الاتصال بهم. كل هذه الاحتمالات وكل هذه الحرب الإلكترونية بين المخترقين وخبراء أمن المعلومات، ودول عظمى، وما زلنا نتحدث عن نطاق عدد الأرقام والأحرف والرموز الموجودة في لوحة مفاتيح حاسوبك أو هاتفك فقط. حسناً، ماذا عن الأسباب في هذا العالم، التي يعتبر بها رفرفة فراشة واحدة أو طرفة عين شخص واحد، حركة إصبعك، كلمة تخرج من فمك، رفسة حمار، قفزة أرنب، نجم يموت، انفجار شمسي، نيزك يصطدم بآخر على بعد مليون سنة ضوئية، كلها من الأسباب، عددٌ مهولٌ لا نعلمه منها، كلها تتداخل، وتؤثر وتتأثر ببعضها البعض وفي العالم كله. لا يمكننا عدها أصلاً، فضلاً عن رفعها لقوة معينة ناهيك عن إحصاء احتمالات تداخلها مع بعضها البعض. ولكن لو تمكنت بطريقةٍ ما من إحصاء جميع الأسباب في هذا الكون، ثم تمكنت من معرفة الاحتمالات التي تنتج عن احتمالات ترتيب حدوثها، ثم امتلكت الأدوات اللازمة لتغيير ترتيبها والتلاعب بها، فعندها تهانينا كونك المنافس والخصم رقم واحد للفوضى، ولكنني لا أنصحك باستفزازها بهذا الشكل، فما زلنا في بدايةِ غمار غموضها، ولعل ما تخفيه كان أعظم. وإلى ذاك الحين، فنحن نقف عاجزين لا حول ولا قوة لنا أمامها، لذا فإن أهم أسلحتنا في مواجهة أثرها الضار الغير مرغوب فيه هو تقوية الأثر النافع، وإيجاد خطط الطوارئ، وأمور أخرى، فكر بما تشاء من سُبل التحييد، أو تفادِ ضرر هذا الأثر، فأنت تتحدث عن علوم التحكم. فعندما تتحدث عبر سماعة الهاتف، يتعرض الاتصال لنوع من التشويش أحياناً، صدق أو لا، فالمصنعون لا يعلمون السبب دائماً، في كثير من الأحيان يعود هذا التشويش لأسباب غير تقنية، غير مفهومة لهم، إنه العشوائية، الفوضى، كيف يعرفون سببه وقد تكون كحة رجل في جنوب شرق آسيا قبل شهرين! أثر الفراشة، لعله هنا أثر الكحة. فيقومون بتقوية الإشارة النافعة، أي تقوية صوت المتصل، أو تنقية الاتصال، للتغلب على التشويش المجهول، وهذا أحد أهم الأسباب في فرق السعر الذي تدفعه بين سماعة سلكية وأخرى لاسلكية “بلوتوث”، واحدة بخمسةِ دولارات والأخرى بثلاثمائة دولار، أسلحَتُها الداخليةُ في مواجهةِ العشوائية. بالطبع السماعات السلكية هي الأرخص والأقل عرضه للعشوائية، بت تعرف السبب، أليس كذلك؟ السبب هو انتقال الإشارة عبر وسط محمي زهيد التكلفة، هذا السلك قد وفر على المصنعين الكثير من العمل والإضافات الداخلية التي تفرضها المساحة بين هاتفك وأذنك، فتنتقل الإشارة عبر وسط محمي وهو السلك. فشركات الاتصالات تعزز أبراجها بتقنيات محاربة العشوائية، ومهمتها هذه تنتهي بوضع الإشارة في هاتفك، أما المساحة بين هاتفك على السرير وأذنك، فليست ضمن مسؤولياتها، هذه المساحة المليئة بالأسباب المتربصة بك لتنغيصِ دفء مكالمتك الغرامية، وجعل صوت قبلاتها يبدو كأنه قطار بخاري من القرن الثامن عشر. حسناً، إن قررت إجراء هذه المكالمة بسماعة لا سلكية فعليك السخاء مقابل نقاء القبلات، ضع في أذنك سماعة مجهزة بتقنيات محاربة الأثر الضار. عندما اكتشفنا هذا كله، أو حتى نكون منصفين في حق الآخرين يجب القول أننا عندما أثبتنا وجهة نظر جدتي بالدليل العلمي، فإننا فهمنا سبب فشل علماء الطقس في توقع الطقس بدقة للفترات المتوسطة، فضلاً عن البعيدة، وأحيانا حتى القريبة منها. فعلم الطقس يعتمد على المجسات، وهي مجسات مزروعة في مناطق مختلفة على هذا الكوكب، تلتقط المعطيات حول العوامل الجوية، سرعة الرياح، الرطوبة، وأمورٌ أخرى كثيرة، ولكن بالتأكيد ليس كلها، ليس رفرفة الفراشة مثلاً. فهي تتعامل فقط مع الأسباب المعلومة لدينا والواضحة كفايةً لتتمكن تقنياتنا الحالية من قياسها، وهذه المجسات تنقل المعطيات بصورةٍ دورية إلى حواسيب خارقة، تعمل على تحليلها وفق خوارزمياتٍ معقدة تتنبأ بحالة الطقس. يقول العلماء لو أننا وضعنا مجساً في كل مترٍ مربع واحد على الكرة الأرضية، وامتلكنا كمبيوتر خارق يمكنه التعامل مع حجم المعطيات القادمة منها، وعرفنا جميع الأسباب وأحصيناها، بما فيها الأسباب الكونية، فسنبقى غير قادرين على توقع حالة الطقس تماماً، وهذا لأنه في الفراغات بين المتر المربع والذي يليه، يحدث تغيرات وتقلبات، ربما فراشة ترفرف بجناحيها هناك، تقلب توقعاتنا كلها رأساً على عقب. ولكن بطبيعة الحال إن تمكنا من فعل هذا، فستكون توقعاتنا أكثر دقةٍ بكثير. الطقس؟ معضلة معقدة. لكن ماذا عن رمي قطعة نقدية وتوقع الوجه الذي ستستقر عليه؟ لست بحاجة للشرح، صحيح؟ حتى لو رميتها كل مرة بنفس القوة والاتجاه، وضبطت ارتعاش يدك، وحالتك النفسية والبدنية في هذه اللحظة المتحكمة بسرعة دقات قلبك، ورميتها بنفس الحالات الأولية التي رميتها بها آخر مرة، لتسقط في نفس المكان على نفس السطح، فلن تنجح دائما بجعلها تستقر على الوجه نفسه. ما السبب؟ ربما مركبٌ أبحر على بعد ألف ميل قبل شهر، تسبب بتيارٍ هوائي، نتج عنه سلسلة من التفاعلات في الغلاف الجوي، تسببت بنسمةِ هواءٍ وصلت لتوها، ولامست القطعة النقدية أثناء هبوطها. جالساً مع كريستين، يفكر في فوضى عينيها، وفوضى مشاعره، يخطط لاستدراجها لإجازةٍ غرامية في نهاية الأسبوع، وتمنى بمنطق فيزيائي فوضوي “ليتني أتمكن من إحصاء عدد الأسباب واحتمالات ترتيب حدوثها تلك التي تؤثر على مشاعرك تجاهي والتي ستحدد نوع الجواب الذي سأتلقاه إن دعوتك للخروج في موعد” ماذا؟ ما هذا الذي قلته تواً يا روبرت! صوت في داخله. -تتوقع المشاعر من خلال معرفة الأسباب واحتماليات ترتيب حدوثها؟ هل هذا ممكن؟ هل يمكننا التعامل مع المشاعر البشرية كأنها الطقس؟ هل يوجد مجسات لقياسِ مشاعرنا عبر نقاطٍ زمنية مختلفة في تاريخنا يمكن من خلالها توقع تصرفاتنا المستقبلية، وما يترتب عليها من أثرٍ علينا وعلى الآخرين؟ هل يوجد جهاز حاسوب بقدرات هائلة يمكنه جمعها، تحليلها، توقعها؟ هل مشاعرنا البشرية تدخل ضمن نطاق هذه العشوائية؟ لقد رفض الفيزيائيون طوال تاريخهم فكرة العلاقة بين المشاعر البشرية والعالم المحيط. فالمشاعر أمرٌ غير مفهوم، لا يمكن توقعه، وما لا يمكن توقعه فلا يمكن قياسه، وما لا يمكن قياسه فلا يمكن صوغه في معادلات، وما لا يمكن صوغه في معادلات فتباً له تباً، ارفضوه، ارموه، اطرحوه بعيداً، ليس من هذا العالم. هذه الأفكار كانت تلاقي استحسان علماء الفيزياء قديماً، قبل أن نعلم أنه بمقدورنا السيطرة نوعاً ما على أثر العشوائية من خلال علوم التحكم، وتوقعها من خلال جمع كمٍ هائل من البيانات عبر مجسات خاصة وتحليلها. ما الذي يؤثر على موعد وصول طائرة؟ سرعة الرياح واتجاهها؟ لدينا المحركات، تعوض هذا الاضطراب الغير مرغوب به. ضربة برق قد تدمرها؟ لدينا موانع الصواعق تسيطر على هذا الاضطراب وتحيد خطره. نفاذ الوقود؟ لدينا مؤشرات عداد الوقود. تعطل المحركات؟ لدينا حلول بديلة للهبوط الطارئ. كلها تندرج تحت بند علوم التحكم. ولكن ماذا عن اللبنة الأساسية في مجسم الطائرة أثناء رحلتها؟ البشر أنفسهم! راكب أحس بدوارٍ حادٍ فجأة، مرض، فقرر الطيار تغيير وجهته إلى أقرب مطار؟ آخر غاضب أثار حالة من الصخب، فتسبب بإلغاء الرحلة؟ إن مشاعرنا جزء من هذا العالم، تؤثر وتتأثر به، تتفاعل معه، وبما أنه بمقدورنا توقع الفوضى فيه إن امتلكنا الأدوات اللازمة للجمع والقياس والتحليل، وبما أنه بمقدورنا تحييد أثرها الضار من خلال علوم التحكم، فإن بإمكاننا لا محالة فعل ذات الشيء مع المشاعر البشرية كما نفعله مع الطقس وكل شيءٍ آخر تمكنا من توقعه وتحييد أثره اللامرغوب، ولكن هل سنحصل على النتائج المرجوة؟ لا أحد يعلم… -ليس اليوم، ليس اليوم يا روبرت، حدّث نفسه. إن لم تتمكن من فعلها اليوم فلن تتمكن من فعلها طوال عمرك، جُل ما عليك فعله الآن هو طلب الخروج معها ببساطة، دع فوضى مشاعرها تأخذك أينما أرادت. بلا وعي، على وشك عرض الطلب، حين رن هاتفه، المتصل أمه والوجهة تل أبيب. واقفاً بجوار الشيخ رسلان على باب البناء، فتنه هذا الجدار، لقد عمل الكون عمله في بعضِ أجزاءِ طلائه حتى نقطة الإنتروبي، فتتها، فرسم فيه لوحة فنية غايةً في الجمال، بتوقيع أعظم قوانينه، العشوائية. لو أن “فان كوخ” هنا، لما رسم أروع منها. طرق الشيخ رسلان الباب، سمعوا صوت قرعِ أقدامٍ خلفه، فتح أحدهم نافذةً صغيرةً منه، ما أن شاهد الشيخ حتى أغلقها فوراً، ثم دوي جلجلة وسط سكون الزقاق، أقفالٌ حديدةٌ تفتح. هنا حجز روبرت مقعداً في الصف الأول لليلة واحدة مع اللامنطق، اللاوعي، اللامعقول. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل السابع والخمسون. في فراغٍ سحيق December 12, 2022December 13, 2022 مسرعاً خلفها، عائدان إلى البيت حيث التقيا بيبرس. -تباً له، حتى وإن كان يعمل مع… Read More الفصل الخامس والعشرون. الإطار المرجعي December 12, 2022December 13, 2022 أضنة هي رابعُ أكبر مدينة تركية، تحفة معمارية على الطراز العثماني، مدينةٌ حيوية، موقعها الجغرافي… Read More الفصل الثالث والستون. تجهيز الخليفة December 12, 2022December 13, 2022 أين الجهاز اللوحي؟ قالت ألكس وهما في غرفة الفندق. روبرت: لقد شاهدت ما به، مجردُ… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل السابع والخمسون. في فراغٍ سحيق December 12, 2022December 13, 2022 مسرعاً خلفها، عائدان إلى البيت حيث التقيا بيبرس. -تباً له، حتى وإن كان يعمل مع… Read More
الفصل الخامس والعشرون. الإطار المرجعي December 12, 2022December 13, 2022 أضنة هي رابعُ أكبر مدينة تركية، تحفة معمارية على الطراز العثماني، مدينةٌ حيوية، موقعها الجغرافي… Read More
الفصل الثالث والستون. تجهيز الخليفة December 12, 2022December 13, 2022 أين الجهاز اللوحي؟ قالت ألكس وهما في غرفة الفندق. روبرت: لقد شاهدت ما به، مجردُ… Read More