December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الستون. دماء ملكية بعد ليلةٍ شيطانية، أفاق من نومه على شفتين تقبلان جبينه، ودمعة تسقط على خده. صوت كاترينا تكتم ألمها، ووجعها: لن أسمح لهم، لن يأخذوك مني. -هل فشلت في الاختبارات؟ هل طلبوا منك قتلي؟ -لا، بالعكس يا حبيبي، لقد نجحت، إلا أني لا أعلم هل يتوجب عليّ قتلك الآن، أم تركك لهم بهذه البساطة. قبلها بقليلٍ، وصلتها الأخبار، لقد تم قبوله، وانتهت مهمتك، وانتهت علاقتك به، ولكن من ذا الذي قال إنها باتت مهمة وتنتهي. بكت بين ذراعيه: تباً لهم، خدمتهم طوال سنواتٍ، إلا أنهم يستكثرون عليّ قصةَ حبٍ صادق لمرة في حياتي، طلبت منهم أن نستمر سوياً، ظننتهم سيقبلون، ليس من حقهم إبعادي عنك. -يا مجنونة، أهذا ما يبكيك؟ -وهل تراه سهلاً؟! لقد أحببتك، أحببتك بصدق، بكل جوارحي، لا أريد الابتعاد عنك. وضع كفه على خدها، أرخته، أغمضت عيناها، وكقطةٍ مطيعة مسحت وجهها على راحة يده، باتت روحها معلقة بروحه. -حبيبتي، لن يبعدونا، كل ما عليك قوله أنك سوف تلتزمين بالتعليمات، واتركي الباقي عليّ، فلا مشكلة في هذه الدنيا لا يمكنني تجاوزها، ولا طلبٍ لا يمكنني التحايل عليه، سأجعلهم من يتوسل لك البقاء معي. الحب!! كم نُظمت الأساطير حوله، قالوا عنه أكثر المشاعر البشرية غموضاً، يدفعنا لفعل أشياءٍ نحن غير مستعدين لها، وعلى غفلة منا، ورغم الواقع، والمصاعب، نفعل المستحيل، وباسم الحب نصنع المعجزات، مجرد أساطيرٍ، والحقيقة أن التاريخ لم يذكر أن أي معجزة قد تحققت بفضل الحب. أساطير، لا نفعَ منها إلا مواساتنا، وتبرير اندفاعنا الأعمى خلف مشاعرٍ لا مبررة، ولا مفهومة، لفعل ما لم نكن مستعدين لفعله، ثم ندفع الثمن بضمير مطمئن، وبالٍ مرتاح، باسم الحب. لو حللنا تلك المشاعر، الحب، الغضب، الكره، الطمأنينة، الخوف، لوجدنا أنها وجهٌ آخر للألم، مجرد تفاعلاتٍ كيميائية داخل أجسادنا، وهرمونات يتحكم بها عقلنا، يقرر متى يؤجج نار الحب فينا، ومتى يجعل الكراهية تعمينا. وإن عرفت السبل اللازمة لتحفيز العقل على إفراز الهرمون المطلوب، للمشاعر المطلوبة، فلا داعي للحديث عن شيءٍ بعدها، بات صاحبه طوع مشاعره، التي هي طوع محفزاتك. هذا لا محالة يجعل مشاعر البشر تخضع للسببية في الكون، إلا لو كانت مشاعرنا من عالمٍ آخر، لا سببي، ولذلك تبقى أكثر الكلمات سحراً، تلك التي تخرج من فمِ عاشقٍ يصف حبه لمعشوقه، أحبك بلا سبب. فهذا هو المستحيل المنشود، وفي العقل الباطن، فلهذه الكلمات سحر ورونق، ولسان حال العاشق يقول، حبي لك ليس من هذا العالم السببي، فلا لون شعرك، ولا عيناك، ولا جسدك، ولا صوتك العذب، ولا طريقة كلامك، ولا شيء مما تملك كان سبباً في حبي لك، فحبي لك لا سببي، لا ينتمي لهذا العالم. أكذوبةٌ أحبها عقل العاشق والمعشوق، أسطورة من بين ملايين الأساطير، تلك التي تقول، إنه لا شيء في هذه الدنيا يمكنه توقع مشاعر وتقلبات البشر المزاجية، قبلَ وقوعها، وعلى وجه أكثر دقة، المشاعر والتقلبات الخاصة، لشخصٍ ما على وجه الدقة، وليس فقط لمجموعة كبيرة من البشر، فكلما حاولنا التخصيص أكثر، صار الأمر أكثر صعوبة. وحيث يمكن لمؤشرات العقل الجماعي، الغوغائية، أن تعطينا فكرةً عن التوجه العام والتقلبات المستقبلية لمجتمعٍ أو مجموعةٍ من الناس، وذلك ليس لضعفٍ في خطوط دفاع المشاعر، وإنما لمعرفتنا أن الغوغاء، والعقل الجماعي، والقطيع، سوف يجبر الكثيرين على المضي خلفه، حتى إن خالف ما يشعرون به، وما يريدونه في صميمهم، فالعقل مصممٌ للبقاء، وتعلم أن البقاء، والنجاة، فرصها أقوى مع الجماعة الأقوى، والعدد الأكثر، وسيفرز جميع الهرمونات اللازمة، لإجبارك على المضي خلف القطيع. إلا أن المشاعر المخصصة لشخصٍ ما بعينه، تبقى مهمة مستحيلة، لذلك يتمكن الكثير من الناس، من خداعِ بعضهم، بإظهار مؤشرات لتوجهات وتقلبات متوقعة، تخالف حقيقةَ ما يشعرون به. تعاملَ البشر والعلماء معها على أنها شيءٌ لا يمكن توقعه، قادمٌ من عالم آخر، لعنةٌ على العلم، وكأنها نفحة من تعويذةٍ سحريةٍ أُلقيت علينا منذ الأزل. ولكن في الحقيقة، فالمشاعر سببية، ولكل سبب مسبب. تنطبق عليها قوانين الفوضى والعشوائية، كما على كل شيء آخر في هذا العالم. إذ يمكن توقعها بدقة، بل وصوغها في معادلاتٍ رياضية، والتلاعب بها كذلك. وكل ما يلزمه الأمر، أن تمتلك شيئاً يحتوي جميع الأحداث الكونية، عدداً لم نتخيله منها، ابتداءً من رفرفة فراشة، نسمة هواء، درجات الحرارة عبر الكون، كلمة يقولها رجلٌ لولده، رفسةِ حمار، قفزة أرنب، وانتهاءً بحركة النجوم والكواكب، والانفجارات الكونية، وما بعدها، وقادراً على التعامل معها، ومع احتماليات تراتبية حدوثها. عندها تصبح جميع الأحداث بالنسبة لك، مجرد ماضٍ انقضى، وانتهى، ووقوعها حتمية لا مفر منها، ما لم تتدخل لتغييرها، والتلاعب بها، ولكن أولاً، عليك معرفة ما سوف يغدو عليه الشكل الجديد لها، والأهم، أن تعلم مكان وقوة التغيير اللازم، لإحداث التغيير المطلوب، حتى يتم إعادة ضبط المشهد، وإعادة ترتيب وقوع الأحداث، والنتائج الواقعة على تغيير تراتبية تقاطعها. فإذا قمتَ بقتل فراشة، فإنها لن ترفرف بجناحيها في الساعة القادمة، وما قد يترتب على هذا التغيير الذي لا يذكر، قد يكون انتهاء البشرية كلها، أو وقوع مجزرةٍ مروعة، يُقتل بها ملايين البشر بلا ذنب، إلا أنهم، متدينون، أو مزارعون، أو أصحاب الأنوف الأطول، تماماً كالهوليكوست. وهو على موعدٍ مع الجواب، ففي المقر ألفا لديهم ما يثبت هذا. كل شيءٍ في صندوق العالم هذا، هو سببي، فما الذي ينشد البشر فهمه في هذه الدنيا؟! إن بحثنا فلن نجدهم ينشدون إلا هدفاً واحداً أسمى، وهو فهم اللا سببية. لماذا؟! لأنها الشيءُ الوحيد الذي عجزوا حتى اللحظة عن استيعابه، وتخيله، المجهولُ الوحيد. يمكننا تخيل عالمٍ بلا رياضيات، ولا فيزياء، ولا منطق، ولا زمن، يمكننا تخيل عالم من اللاشيء، لكن اللاسبب!! فلا يمكننا. فالذات في فراغٍ سحيق مازال لها سبب أوجدها، ومازال للفراغ سبب، سببٌ لم يأتِ من أي مسبب قبله. فكر بما شئت من النقاط صفر، سيبقى هناك سببٌ أوجدها، حتى الصفر ذاته، ما زال له سبب. أما بيبرس، فقد عرف كيف يتبع سلسلة الأسباب الصحيحة، لجعل كاترينا تتحدى المقر ألفا في سبيل حبها له، فجميع أحلامها باستعادة عرشها، باتت معلقةً عليه، منذ كشف لها حقيقتها، وزودها بالوثائق الكاملة التي تثبت أصولها، وتؤكد أن ما يجري في عروقها، هي دماءٌ ملكية. هل هو حبٌ لا سببي إذاً، أم مصلحةٌ أرادتها كاترينا، حلم دغدغ مشاعرها، أميرةً منسية، عائدةً من بين صفحات الماضي العتيق، ففي هذه المرحلة، لم يعد هناك أي أهميٍة لمصداقيةِ تلك الوثائق، ومصداقيةِ رواية بيبرس، فقد قدم لعقلها، ما يكفيه من أدلةٍ، أما الثغرات، نقاطُ الضعف في الرواية، فكما كل عقلٍ أحب فكرةً وأرادها، تكفل بترقيعها، وسد النقص فيها، من تلقاءِ نفسه. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts فهرس المحتويات December 12, 2022December 25, 2022 الإهداء كلمة الكاتب المقدمة النهاية الفصل الأول. أوراق الشجر الفصل الثاني. مفتاح التطور الفصل الثالث…. Read More الفصل الثاني. مفتاح التطور December 12, 2022December 13, 2022 على ضفاف نهر البسفور في إسطنبول، يتلألأ متحف التوب كابي، بجوار كنسية أيا صوفيا وعلى… Read More الفصل السادس. النظام الأعظم December 12, 2022December 13, 2022 هدأت سرعتها وخف ضجيج المحركات، بدأت مناورةُ الرسو في الميناء، انسابت ببطء نحو اليسار واقتربت… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
فهرس المحتويات December 12, 2022December 25, 2022 الإهداء كلمة الكاتب المقدمة النهاية الفصل الأول. أوراق الشجر الفصل الثاني. مفتاح التطور الفصل الثالث…. Read More
الفصل الثاني. مفتاح التطور December 12, 2022December 13, 2022 على ضفاف نهر البسفور في إسطنبول، يتلألأ متحف التوب كابي، بجوار كنسية أيا صوفيا وعلى… Read More
الفصل السادس. النظام الأعظم December 12, 2022December 13, 2022 هدأت سرعتها وخف ضجيج المحركات، بدأت مناورةُ الرسو في الميناء، انسابت ببطء نحو اليسار واقتربت… Read More