December 12, 2022December 13, 2022 الفصل السادس والستون. أسطورة في فيينا ينبع نهر الدانوب من الغابةِ السوداء في مدينة دوناشينغن الألمانية، ويشق طريقه على طول 2872 كيلومتراً عبر مدنٍ أوروبيةٍ عديدة، وصولاً إلى مصبه النهائي في البحر الأسود. إحدى أشهر هذه المدن، هي فيينا، عاصمة النمسا. قبل بضعة أشهر حسب توقيت خط الزمن الوهمي، في أحد أجنحة فندق ذا ريتز كارلتون فيينا (the Ritz-Carlton, Vienna)، وعلى غير العادة في هذه المنطقة، حلقت بضع نوارس حول الفندق، وحول نوافذ جناحٍ خاص، وفي الشوارع والأزقة حوله، تحوم طوال الوقت، بلا كلل ولا ملل. في الداخل جلست امرأة في منتصف عقدها الخامس، على أريكة بيضاء ناصعة، ترتدي فستاناً أسود محتشم، صبغت شعرها بالأسود، معتدلة الطول، نحيفة الجسد، يتضح عليها معالم الاتزان والرزانة، والفخامة. وجلس مقابلها تماماً، على أريكة فردية، واضعاً قدم على قدم، يرتدي بدلةً رسميةً سوداء، لم يعتد ارتداء هذا الزي، خنقته ربطة العنق، أراد التحرر منها، إلا أن هذا الاجتماع وطبيعة المفاوضات، تتطلبها. بيبرس: سيدتي، أقدر حزنك العميق، تعازيَّ الحارة لك، ولكن ما حدث قد حدث، للأسف. -شكراً لك، لدينا الآن ما هو أهم من الحزن، فالبلورة حقنا، ملكنا، إرث نبينا المفقود. -إذاً كان عليكم استعادتها منذ زمن. أضاف بعد لحظة صمت: ولو كانت هكذا لأعادها السيد الكبير لكم، قبل مقتله. السيدة: كانت لديه قناعاته الخاصة، والتي لا تمثلنا، وقد مات الآن، وباتت بين يديك، نحن نعلم ذلك. ضحك: الكثيرون باتوا يعلمون بذلك، في الحقيقة، متعجبٌ أنني لم أسمعه بعد في نشرات الأخبار. قالت بحزم: كم تريد ثمناً لها؟ -هي لا تقدر بثمن يا سيدتي، وخطتي مع السيد الكبير خلافَ ما تطلبينه. – هذا الشأن لا يعنيك، إن كنت تريد الخروج من هنا حياً. ضحك بصوت عالٍ، قال: هل سبق أن واجهتي الموت وجهاً لوجه، هل جربتي ذلك الإحساس حين يضمك بقوة، ثم ولسبب تجهليه يفلتك تاركاً بعض الكدمات في جسدكِ كتذكار؟ إن لم تفعلي، فقد فاتك الكثير من المتعة. وبثقة مفرطة أضاف: لو كنت أعلم أننا سننحدر لهذا المستوى من السخافةِ في الحوار، لما خنقت نفسي بربطة العنق هذه طوال الوقت. صمت قليلاً، ثم قال بنبرة استهجان: تلك الخطة التي رسمها السيد الكبير، أتعجب كيف أنها لا تناسبك؟! -لم أعترض على خطتكم، ما نريده هو تعديلٌ بسيطٌ عليها، ليكن روبرت هو السيد الكبير الجديد، ولكن البلورة ستكون ملكنا. تقدمت نحوه بحسدها بقليل من الغضب: بلورة بني إسرائيل، مكانها في إسرائيل، وليس في مالطا، ولا حيث أخفيتها، عليك أن تعي ذلك جيداً. بيبرس: حسناً، يمكننا الاتفاق بهذا الشأن، لست مهتماً بالبلورة، ولا بإرثكم المزعوم، كل الذي أنا مهتم به هو تدمير الخوارزميات، التي مازالت في مالطا، لديهم قاعدةُ بياناتٍ ضخمة، وحتى مع اختفاء البلورة، فما زال بإمكانهم فعل الكثير، أريد تحطيم نسختهم من الخوارزميات، مع جميع قواعد البيانات التي لديهم، أنتم تساعدونني في هذا، وأضمن لكم عودة بلورتكم إلى مكانها الصحيح. أعادت ظهرها إلى مسند المقعد: وكيف تتوقع منا أن نساعدك بهذا الخصوص؟ -سأكمل خطتي مع السيد الكبير، سوف أعدّ روبرت لخلافته، وأعيده إلى مالطا، وأنتم سوف تقودونه لتدمير نسختهم من الخوارزميات مع جميع قواعد البيانات، وبعد تنفيذ المهمة، ستعود لكم البلورة. السيدة: على شرط واحد، لن يلحق بروبرت أي أذى، وستقدم لنا ضماناتٍ كافية على أنها بحوزتك. أخرج من جيبه ورقة، وضعها على الطاولة، كُتب فيها الإحداثيات التالية….40.879069,29.112375 ثم نهض عن مقعده، استأذن بأدب، وهم بالمغادرة. أوقفته متسائلة: هل ما قيل صحيح؟ -حول ماذا؟ -الطيور، هل اكتشفت أن من خلالها يمكن تعلم لغة الطيور؟ كما فعل نبي الله سليمان؟ ابتسم: علي المغادرة، لقد أنجزت عملي هنا …. قاطعته، وبنبرة أنثوية ضعيفة: أرجوك، بحاجة لأن أعرف، هل فعلتها حقاً؟ تحدثت للطيور من خلالها؟ هل تلك النوارس التي تحوم حولنا تتحدث إليك؟ أدار وجهه نحوها: سيدتي، التزمي بالخطة، سأكون حريصاً على سلامة ابنك روبرت، وتجاوزه للاختبارات حياً، وعندما أطلب منك فأرسلي من تريدين إلى هذه الإحداثيات، ليتأكد من وجودها، وبالمقابل، أنت سوف تحضريه إلى القدس وتتبعي تعليماتي، وبعد أن أجعل منه السيد الكبير في المقر ألفا، سوف تقودونه لتدمير الخوارزميات، وجميع قواعد البيانات. الأم: ألا تظن أن عليك مراجعة حساباتك بخصوص ذكرياته! بيبرس: عزيزتي، لن يتذكرني، شكوكه تلك لم تثبت، وكان مراهقاً منشغلاً بما هو أهم من رجلٍ غريبٍ، يقابل أمه خلسة. في وقتٍ متأخرٍ في المساء، على بعد بضع مئات الكيلومترات عن فيننا، وعلى بعد عشرة كيلومترات من مدينة إنسبروك، مزرعة قديمة، منذ القرن الثاني عشر، تحيط بها المروج والغابات، على أضواء الشموع، غادرت كاترينا الفراش، هاربة من بين يديه، شبه عارية. اتاها صوتٌ من خلفها: هل فقدتي عقلك؟ لم ننتهي بعد، عودي للفراش، حالاً. كاترينا: عزيزي، إن بيبرس شكاك جداً، ودقيق الملاحظة، إن تركتَ على جسدي أي علامة صغيرة، فسوف يلاحظها بالغد، أنت لا تعلم كم أبذل من الجهد في جعله يشرب الكثير من الخمر حتى لا يلاحظ تصنعي الشوق إليه كلما التقيته. -تباً له، لن يلاحظ، ذلك الغبي، عودي فوراً. -حبيبي، لا تتعجل، ولا تعطيه فرصةً لملاحظة أي شيءٍ غريب، فيبدأ بتحليل الموقف، والاستنتاج، قلت لك منذ زمن، للتلاعب به، لابد أن تقوم بأمران، الأول ألا تعطيه فرصة لتحليل الموقف، التزم معه فيما تقوله وفي مواعيدك كذلك، والثاني، أجعله يظن أنه هو من يسيطر على الأحداث، ويتلاعب بالجميع، فلا شيءَ يخدر عقله، ويجعل منه عجيبة بين يديك، تشكلها كما تشاء، إلا نشوةُ السيطرة، رغبته العميقة في التلاعب بمن حوله، هي نقطة ضعفه القاتلة. أضافت: هل تعلم أنه يظن أنه أقنعني أنني من نسلِ أميرٍ عثماني بتلك الأوراق السخيفة؟ ثار غضبه، يريدها، لا يستطيع كتمان شهوته نحوها، مستغلاً شيئاً قالته قبل قليل، لعلها ترجع إلى الفراش، قال: تصنعك الشوق إليه؟ لقد أحببته سابقاً، شاركتهِ مقتل السيد الكبير وسرقتم البلورة، ثم تدعي أنك تبادلينه الفراش مرغمة؟! -حبيبي، كانت نزوة وانتهت، علاقتي بك أقدم من معرفتي به، لطالما كنت ملكك، وطوع يمينك أنت، لولا أنه كان مهمةً أوكلت لي، لما حدث شيءٌ من هذا كله. -ماذا لو لم تكتشفي حبه لتلك الفتاة التركية؟ هل كنتِ لتعودي إلي؟ نظرت له بحزم، نظرة جادة، مخيفة، وبنبرة بها خليط من الكبرياء والألم والقسوة: تباً لخديجة، وتباً له، هل تعلم، لقد تذكرت تواً نقطة ضعف أخرى به، فهو دوماً لا يعطي جنون المرأة حقه. وبنبرة تهديد أضافت: عليك أن تنتبه لهذا جيداً. -حسناً، كيف سوف نستعيد البلورة منه؟ – أعلم أين يخفيها، جزيرة صغيرة غير مأهولة في بحر مرمرة، على مرمى حجرٍ من جزيرة الأميرات. -ولمَ لا نقتله الآن ونستعيد البلورة وننهي هذه القضية؟ -لا تتعجل، لو قتلناه فسوف يبحث المقر ألفا عمن قتله، سيعلم أن هناك لاعباً أكبر منه، وسيطاردنا، دعهم ينهون بعضهم، ودعه يعد روبرت لخلافة جده، ويحطم خوارزمياتهم، ثم، يأتي دورنا. -أتمنى أن يستحق الأمر كل هذا. -إنه يستحق يا عزيزي، لا يوجد شخصٌ مؤهلٌ لتحطيم الخوارزميات مثله، سينجح أنا واثقة من ذلك، وسوف تصبح البلورة ونسخته من قواعد البيانات، ملكنا، سيدفعون كل ما لديهم في إسرائيل ثمناً لها، إرث نبيهم، يا لهم من مجانيين. أضافت: فقط أحرص على أن يوكلوا لك مهمة المطاردة، عليك أن تتواجد هناك، لا تدع أحد يشك بعلاقتنا، ولا حتى أقرب المقربين إليك. مشى نحوها، وعلى حين غفلة منها، احتضنها وبدأ يقبل شفتاها بشغف، وشوق. نهرته، دفعته بعيداً: تباً لك، متى ستتعلم التحكم بشهواتك؟ قلت لك لا تفعل. احتضنها من جديد، ضمها بيديه حملها للفراش، تحاول الهرب منه، بلا فائدة، مزق عنها ما ترتدي، ثبتها، لا تقوى على الحراك، ولا الهرب، سرعان ما استسلمت له، تأن أسفل جسده وبين ذراعيه، تداعب شعره، حبيبي، كلما كنا سوياً، في الصباح استيقظ محطمة الأضلع، وأدرك حينها لما أطلقوا عليك المطرقة …. في أوج شهوته، يقبل رقبتها، أدارت وجهها نحو النافذة، وقع عيناها مباشرة على شيء خارجها، قالت وهي تأن أسفل منه: يا له من مشهدٍ غريب! المطرقة دون أن يلتفت: ما هو؟ كاترينا: ذلك النورس خارج النافذة! ما أتى به إلى هنا، بعيداً جداً عن موطنه. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الثاني والأربعون. طرف الخيط December 12, 2022December 13, 2022 -لستَ محترفاً، وليس هذا مجالك، لدينا الكثير من الأشخاص حاولوا التقرب منهم، لم نتمكن حتى… Read More الفصل الثالث والعشرون. عضو جديد December 12, 2022December 13, 2022 لسنا من هذا الكون؟ كريستين، العالم كله يبدأ من وجنتك هذه، وينتهي في هذه. قالها… Read More الفصل السادس والخمسون. لا تحاول معي December 12, 2022December 13, 2022 ضحكت، تتأمل تفاصيل المكان من حولها، هزت رأسها، قالت: لا تحاول، لا فرصةً لك أمامي…. Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الثاني والأربعون. طرف الخيط December 12, 2022December 13, 2022 -لستَ محترفاً، وليس هذا مجالك، لدينا الكثير من الأشخاص حاولوا التقرب منهم، لم نتمكن حتى… Read More
الفصل الثالث والعشرون. عضو جديد December 12, 2022December 13, 2022 لسنا من هذا الكون؟ كريستين، العالم كله يبدأ من وجنتك هذه، وينتهي في هذه. قالها… Read More
الفصل السادس والخمسون. لا تحاول معي December 12, 2022December 13, 2022 ضحكت، تتأمل تفاصيل المكان من حولها، هزت رأسها، قالت: لا تحاول، لا فرصةً لك أمامي…. Read More