December 12, 2022December 13, 2022 الفصل التاسع. ليس صديقك ما بين القدس (أورشليم) وإسطنبول، اعتاد روبرت السير عبر الأزقة، فكما يبدو أن الحقيقة تقبع فيها، ففي هذه الأزقة الصغيرة تكمن التفاصيل الكاملة، وتختبئ جوهرة اليقين. هذا أول درس تعلمه من موسى حين التقاه في مقهى “تمول شيشلوم” في القدس، بعد يومين من أول لقاء لهما، يقع المقهى في مبنى بُني منذ القرن التاسع عشر، يرتاده المثقفون ورواد الكتب، مكانٌ هادئ بعيدٌ عن الازدحام، بين أحياء القدس القديمة. إنه يومه الأخير في إسرائيل قبل العودة إلى كامبردج، عليه شكر موسى على ما فعله لهم، اتصل به في الصباح. روبرت: هل ما زلت في أورشليم يا صديقي؟ موسى: نعم لدي يومين إضافيين هنا في القدس -ليس لدي إلا اليوم للأسف، هل نلتقي؟ -بالتأكيد حدد المكان والموعد الذي يناسبك -حسناً، أنا في تل أبيب الآن يلزمني ساعة ونصف للوصول، لنجعلها ساعتين. -لن نختلف على الأسماء مجدداً، في انتظارك بمجرد وصولك من يافا. التقيا عند باب المقهى، تحت شجرة ضخمة معمرة، أحيطت بسياج حديدي أخضر، عُلقت في الأزقة القديمة مظلاتٍ بألوان متعددة، أضفت رونقاً خاصاً، صعدا الدرج، في الداخل، المقهى على طرازه القديم، حيطان مقوسة بلا أبواب، أرفف من الكتب، لوحاتٌ فنية زين بها الجدار، قصاصات صحف قديمة، كلها باللغة العبرية، يفهمها ولكنه لا يقرأها، اختاروا طاولة بجوار النافذتين المقوستين، أطلت على الشجرة، فالشرفة الصغيرة ممتلئة بالكامل. على أنغام موسيقى هادئة، جلس روبرت على يمين الطاولة وفي مقابلة موسى، نظرات الزوار ترمقهم بدهشة، فلم يعتادوا على وجود ملامح عربية هنا، على الرغم من أن كثيراً من اليهود هم من أصول عربية، يتشابهون مع العرب باللون والشكل، إلا أن كلا الشعبين قادران على تمييز بعضهما البعض بطريقة ما! حديثهم باللغة الإنجليزية أبعد عنهم أعين المتطفلين، سياحٌ بالتأكيد. أتى روبرت على مضض، عليه شكر الرجل، لقد أنقذ حياته وحياة أمه، كل الذي أراده ألا يحدثه من جديد عن النظرية النسبية ونبيه محمد، أرجوك لا تفعل قال في نفسه، خشي أن ينفجر بنوبةٍ من الضحك أمامه، سيكون من أكثر المواقف إحراجاً. احتراماً له، لم يطلب أي نوعٍ من المشروبات الكحولية، فالمسلمون لا يشربونها، هي محرمةٌ في دينهم، قطعياً، طلب كأساً من عصير البرتقال، وطلب موسى فنجاناً من القهوة. بادره الحديث: أردت شكرك على ما فعلته معنا بالأمس، لا أعلم إن كان بإمكاني فعل أي شيءٍ لك للتعبير عن امتناني. موسى: لا عليك يا صديقي، لقد قمت بواجبي الإنساني، صدف أني قريبٌ منكم، لم أفكر بلونكم ولا عرقكم، علىّ إنقاذكم فقط. أدار رأسه نحو النافذة، تأمل الشجرة، أغمض عينيه تنهد تنهيدةً عميقة، ثم فتحها، أدار وجهه باتجاه روبرت: لو يعلم أولئك الأغبياء، لاتحدوا في مواجهة عدونا الحقيقي. روبرت: من تقصد؟ موسى: عقلك، هذا الذي في رأسك، ألا تعلم أنه عدوك؟ هذه المرة لم يبتسم، لم تنتابه نوبة من الضحك، بل لحظة طويلة من الصمت، أعد ما قلته رجاءً! -عقلك الذي في رأسك، هو ألد خصومك في هذه الدنيا لم تكن هذه المرة الأولى التي يسمع بها شيئاً مثل هذا، فخداع العقل لنا أمرٌ معروف، بُحث وكُتب عنه، صُورت أفلام سينمائية تنافست بالتفنن فيه، برامج وثائقية. فالعقل يخدعنا كثيراً، ولكن عدونا؟ هذه الكلمة تعني الكثير. تعني شيئاً آخر مختلف. فكرة مستهلكة في العديد من الأفلام، يجعلون الضحية يرى اللون أو الرقم الذي يريدونه في أماكن عديدة بطرق غير مباشرة، يضعوه على الباب، في الحافلة، في لباس رجلٍ يمر من أمامه، وأماكن أخرى، يُخزن في عقله الباطن، بالتكرار يترسخ أكثر، وبعد ساعات او أيام يسألونه، قل لنا أول رقم يتبادر إلى ذهنك، فيختار الرقم الذي بقي يراه دون أن يشعر طوال الوقت. إحدى أكثر الأفكار شيوعاً في هذا النوع من خداع العقل. روبرت: أنت تقصد خداع العقل؟ فلم “التركيز” لويل سميث. موسى: فلم جميل، أظنهم أخذوا فكرته من برنامج ألعاب العقل في ناشونال جيوغرافيك. -نعم نعم، الوثائقي كذلك، هذا ما تقصده؟ -السؤال المهم يا صديقي هو لماذا يسمح العقل بأن يُخدع هكذا؟ ما السبب؟ لمع أثر آخر ما قاله موسى في عقل روبرت كصعقة برق شوشت تركيزه! -السبب؟ ألا تعتقد أن السببَ واضح؟ -إن كان واضحاً فأخبرني به. -واضح…، سهل….، من الممكن زرع أفكار بداخله بطرق غير مباشرة، ببساطة. موسى وقد تقدم بجسده بقليل من الغضب: هكذا ببساطة؟ هذا العقل لديه القدرة على تخزين أدق التفاصيل من حولنا وتذكُرها بعد مائة عام إن أراد ذلك، يُخدع ببساطة هكذا، فقط لأنك كررت الرقم أمامه عشر مرات! لم ينتبه أنك أردت منه اختياره؟ لم ينتبه إلى أنه يختار ذات الرقم الذي رآه طوال ساعات وأيام؟ روبرت: لا بل ينتبه، بعض الأشخاص شديدو التركيز، يمكنهم اكتشاف هذه الخدعة. ابتسم موسى، نعم الآن بدأت تفكر، شديدو التركيز، أخبرني ما هو ثمن التركيز؟ ما الذي يدفعه عقلك مقابل تقديم المزيد من التركيز المجاني لك؟ أشاح بنظره بعيداً، بدأ يفكر! كرر السؤال بصوت مرتفع: ما الثمن الذي يدفعه العقل مقابل المزيد من التركيز؟ موسى: ما هو الشيء الذي يستهلكه العقل في أثناء التركيز؟ لمع الجواب في رأسه، خلايا الدماغ؟ الخلايا العصبية؟ هل هذا ما تقصده؟ موسى: نعم، في كل مرة تفكر بها، تنظر بها، تجري عملية حسابية، تدقق في شيء ما، تحرك يدك لصنع فنجانٍ من القهوة، في كل مرة تفعل بها أي شيء أو تفكر بأي شيء، فإن عقلك يستهلك خلاياه في سبيل ذلك، يقدم لك أثمن ما يملك، الجهد والضغط هو أكثر ما يهدد هذه الخلايا ويستنزفها. المزيد من الانتباه، المزيد من التركيز، المزيد من التحليل، الاستنباط، التذكر، كلها تستهلك المزيد. بقي روبرت صامتاً يسمع هذا المجنون، ساعة سوف تمر، واجبُ شكرٍ لا بد من القيام به، لا داعي لإحراجه. وأكمل موسى…. لعلك تعلم بالتأكيد أن الخلايا العصبية هي اللبنات الأساسية لبناء الجهاز العصبي، بدونها فلا معنىً له، هذا الجهاز المسؤول عن تنظيم ومراقبة الوظائف الحيوية لأعضاء الجسد، عمل القلب، الكبد، الكلى، كلها مسؤوليته، كما أنها من يسمح بقيام الدماغ بعمليات الإدراك والتعلم، اكتشاف المخاطر، التأقلم، الاستمرار، ومصممة لتحفيز الخلايا الأخرى في الجسد من أجل التواصل، ببساطة هي المدير العام للجسد، وبمعنى آخر هي روح الدماغ، بدونها يموت. روبرت: نعم بالتأكيد، وهناك عدد مهول منها، لدرجة أن هناك من يقول إن متوسط ما يستهلكه الإنسان في حياته ما بين 10% إلى 20% من طاقة دماغه فقط. موسى: بل مهولٌ جداً، 14-16 مليار خلية عصبية في القشرة المخية، و55-70 ملياراً في المخيخ، وها أنت تقول أن الإنسان يموت بمتوسط عمر السبعين عاماً ولم يستهلك حتى ربعها! أضاف: ولكن لا يهم العدد، هناك ما هو أهم من هذه النسبة، ففي براعم الطفولة تكون عملية الإنتاج في أوجها، ومع تقدم العمر، فإن إنتاجها يتوقف لسبب نجهله، تقول الدراسات عند البلوغ، وبعضها يقول تتباطأ تدريجياً، وهناك من يقول أن الإنتاج يبقى لكن بوتيرة أقل، المهم أنها في مرحلة ما سوف تنتهي. ولو افترضنا أنه بطريقة ما لم يعد هناك أي سبب للموت، وتمكن الإنسان من العيش إلى الأبد، فلا يمكنه ذلك، سوف يموت لا محالة بعد خمسمائة عام، ربما ألفان أو ثلاثة آلاف، سوف يموت لا محالة لسبب لا مفر منه، تلف الخلايا العصبية كلياً، انتهاء مخزونها اللوجستي، الاستهلاك أكبر من الإنتاج، لن يجد العقل ما يكفيه للقيام بالوظائف الحيوية الأساسية للجسد فضلاً عن العمليات الحياتية التقليدية التي تؤمن له الغذاء والأمان، لن يجد عندها من الخلايا ما يلزم للحفاظ على الجسد حياً. الآن أجبني يا روبرت؟ ما الذي يريده عقلك؟ ما الذي يريده أكثر من أي شيءٍ آخر؟ ما هي أعظم الأماني التي لطالما فكرت بها وفكر بها جميع البشر قبلك؟ بعد لحظة من الصمت والتركيز، أجاب روبرت: الخلود، ألا نموت. موسى: دعني أجيبك بعبارةٍ أخرى، لا يريد عقلك للجسد أن يموت، ولا يريد لهذه البطارية أن تنتهي، لا يريد أن ينطفئ. أصابك الصداع؟ هل تشعر بخدر في رأسك؟ رغبةٌ في التوقف عن الاستماع لي ربما روبرت: لا. أكمل موسى: نعم يا صديقي، عقلك لا يريد الموت، هو يعلم أن هذه الخلايا المستهلكة لا يمكن تعويضها، هي رصيده البنكي الغير قابل للاسترداد، يتلف شيئاً منها في كل مرة تفعل بها أنت أي شيء، والأولوية عنده للوظائف الحيوية، يجب أن تعمل على أكمل وجه، ثم وظائفك الحياتية التي تؤمن له الغذاء والأمان، المجهود المبذول في تناول الطعام، الشراب، المشي لدورة المياه، ربما بعض التمارين الرياضية للحفاظ على صحته، وعملك الذي تؤمن به قوت يومه، أمورٌ كهذه، ولكن ما ليس له داعي فلا داعي له. والتركيز في الأرقام؟ هذا على الهامش يا صديقي. لن يموت جسدك ولن ينطفئ عقلك إن لم تنتبه أن أحدهم وضع لك الرقم 55 مخبأ في كل مكان حولك. وعندما يحين وقت الاختيار، فسوف يفضل اختيار الرقم الموجود أكثر في ذاكرته القريبة، المألوف، حتى من دون أن ينبهك أنه رآه مائة مرة اليوم، أنه يفضل المشاركة في لعبة تخدعك، على أن ينبهك لها، حتى لا تطلب منه المزيد من التحليل، التفسير، التذكر، الجهد. أضاف مسترسلاً بالحديث بلا انقطاع: هذا يفسر ظاهرة التحسن المفاجئ قبل الموت أليس كذلك؟ أجاب نفسه: نعم، في ثلثي الحالات الميؤوس منها يحدث هذا، قبل الموت بساعات أو أيام، يتحسن المريض فجأة، يبدأ بالحديث، التحرك، نسميها بصحوة الموت، تلك الصحوة التي يبدو بها الإنسان كأنه استعاد صحته وتخلص من مرضه تماماً، ولكن البشر يعلمون هذه الظاهرة من واقع خبرتهم، والأطباء يؤكدونها، وينبهون أهل المريض إلى عدم الانخداع بها، حتى لا يصدمون بموته المفاجئ بعدها، وهم عاجزون تماماً عن فهم سببها أو تفسيرها. إنه يرفض الموت، في لحظة، يفجر كل طاقته، عندما يدرك أن الموت بات قريباً، يُخفي الألم، يُخفي المرض كله، يتشبث بالحياة، ولكن لماذا لا يفجرها منذ البداية! لم هذا العذاب كله! هو ليس صديقك الأمين، وربما لولا حاجته لك لما أطاق وجودك في جسده. روبرت وقد عقد حاجبيه وأشار له بالصمت للحظة، يستجمع أفكاره، أضاع ما يريد قوله، تذكره، لحظة، هل قلت تواً كلمة جسده؟ -نعم، جسده وليس جسدك أنت -وما نحن إن لم نكن هذا الجسد؟ -يسموننا بالروح، سر الحياة الأبدي، لا يوجد من يعلم حقيقته أو ماهيته بعد -نعم ولكن الجسد ملك هذه الروح، فهو بدونها يموت أليس كذلك؟ إذا فهي تمتلكه -هذا ما لا يسلم به العقل، إنه يعلم بأنه بحاجة للروح للحياة، ولهذا فهو لم يطردنا من جسده منذ البداية ربما، الخلاف بيننا وبينه يكمن في الوقت الذي يريد أن يعيشه، يرفض التسليم بالعمر الافتراضي، يرفض السبعين أو المائة عام، وهذا من حقه ربما، فنحن بعد هذه السنوات سنخرج من جسده ونذهب لمكان ما أخر، أما هو، فانتهى. تقدم روبرت بجسده نحوه قليلاً لأول مرة: الوعي يا صديقي، الوعي في العقل، أينما ذهبنا فسيذهب معنا، حتى خارج الجسد. ضحك موسى: من قال أن الوعي هو العقل؟ فالعلماء، الباحثون، الأطباء يعترفون أنهم عاجزون إلى يومنا هذا عن فهم الوعي، كيف يحدث، أو ما هو، أما الخلايا العصبية، الدماغ ككل، مفهوم، تم تشريحه، دراسته، ودراسة أدق التفاصيل به، هو آلة، تستقبل المعطيات عبر حواس الجسد، تحللها، تتعامل معها. ولكن الوعي أمرٌ مختلفٌ تماماً، الوعي هو أنت، الوعي ملكك، والجسد ملكه. هز روبرت رأسه رافضاً، كثير من الشكوك تدور حول هذا الحديث، بينما أكمل موسى بلا توقف -العقل مصمم للبقاء فقط، لماذا نبذل جهداً عظيماً في تعلم شيءٍ جديد؟ وبمجرد أن نتعلمه، يصبح سهلاً؟ لماذا لا نتعلمه بسهولة منذ البداية؟ نحن نقاتل عقلنا طوال الوقت، في عملنا، في دراستنا الجامعية، في رغباتنا الخاصة، دائما بحاجة لبذل المزيد من الجهد؟ لماذا؟ الخلايا موجودة بطبيعة الحال، ومسارات التعلم موجودة. أجاب نفسه: لأن العقل يقاوم كل أنواع العلوم والعمل التي لا حاجةً ضروريةً لها لبقائه. ففي تعلم حل المعادلات الرياضية، الفيزياء، حفظ كتابٍ أو قصيدةٍ شعرية، فإنه يحاول منعك، يقاتل عملية إهدار الخلايا، فتقاتله، وتجبره، وفي أثناء هذه المعركة، تشعر بالإجهاد والتعب، بينما تَعلم الأمور التي من شأنها الإبقاء عليه حياً، فلا تبذل بها أي جهدٍ يذكر، التَعلم يا صديقي هو إجبار العقل على التبرع بالمزيد من الخلايا. وهذا ما يصنف الأمور من سهلٍ إلى صعب، غريزة البقاء فيه، أكثرها سهولةً دائماً هي ما يحتاجها للبقاء والاستمرار، ويصبح التعلم أصعب كلما ابتعدنا أكثر عن الضرورة. وتلك الأمور الصعبة، التي لم تتخيل يوماً أنك قد تتمكن من تعلمها، إذا ما وضعت في موقفٍ أصبح به تعلمها ضرورةً للبقاء، يصبح تعلمها سهلاً، بدون أي مقدمات ولا تعب. إنه يتحكم بنا يا صديقي، أناني، يقرر متى يقدم لنا الخلايا مجاناً، ومتى علينا أن نقاتل لنحصل عليها. ماذا إن وجدت نفسك في الأدغال فجأة بلا طعامٍ ولا شراب؟ ماذا لو وضعنا الحياة على المحك؟ ماذا لو أدرك عقلك في لحظة أن حياته مرهونة بتذكر الأرقام؟ ما الذي سيحدث؟ روبرت: سيتذكرها، فهو تحت الضغط يعمل بشكل أفضل، هذا شيءٌ مفروغ منه. موسى: هذا ما نسميه بالقدرات الخارقة، كم مرة سمعنا ورأينا بعض البشر يقومون بقدراتٍ خارقة عندما توضع حياتهم على المحك، مشهدٌ مألوف أن تجد عجوزاً يركض فجأة مسرعاً، كأنه شاباً هرباً من سيارةٍ تتقدم نحوه بسرعة. إن وضعت عقلك تحت تهديد الموت، سيتذكر أدق التفاصيل من حوله وكأنه كاميرا حديثة شديدة الوضوح، حدث لي هذا مرة، كدت أتعرض للدهس من سيارةٍ مسرعة، وطريق الهرب منها مسدود، ما زلت أذكر كل شيء كان حولي في تلك اللحظة، من يقف بالشارع، عددهم، ماذا كانوا يرتدون، كل شيء، لأن عقلي علم في لحظة أن حياتي معرضة للخطر ولا مفر للهرب، وبالتالي حياته على المحك، فجر جميع طاقاته في محاولةٍ منه لإيجاد سبيل للنجاة، في هذه اللحظات تصبح الخلايا عنده مجرد رقم، لا مشكلة لديه في أن يستهلك رصيد عامٍ كامل أو عشرة أو مائة عام مقابل إنقاذِ حياته من الموت الآن. بقي روبرت متردداً، حديثه يبدو منطقياً رغم عدم وجود أي دليل، لكن كيف لهذا أن يجعل من العقل عدواً لنا؟ موسى: لأنك لن تعيش داخل هذا الجسد ثلاثة آلاف عامٍ يا صديقي، وهو يرفض التسليم بهذه الحقيقة، يطلب الخلود، يفضل خدعك على أن يحرق المزيد من الخلايا في التدقيق في التفاصيل. فكر ملياً، عقلك لا يختار دوماً أقصر الطرق، ولا أطولها، بل يختار أقلها جهداً بالتالي أقلها استهلاكاً للخلايا، ويصدف أن هذه غالباً تكون أقصرها. إن أريتك صورةً، ثم أريتك نفس الصورة باختلاف بسيط، هل ستلاحظ الفرق فوراً؟ أجاب نفسه: لا، لأنه لا يراها أصلا، فعملية البحث في الذاكرة القريبة أوفر له من عملية التخزين من جديد، سيبحث عن أقرب صورةٍ متطابقةٍ معها، ويريك الصورة من ذاكرته القريبة، ما لم تجبره أنت على التدقيق في التفاصيل الصغيرة، هذه التي تستهلك الكثير من الخلايا الثمينة. لهذا فهو يقاومك، كلما حاولت التركيز أو تعلم شيءٍ جديدٍ خارج إطار الضرورة لبقائه حياً، سيقاوم، وكلما تقدمت بالعمر، زادت مقاومته لك، فالطفل الصغير يتعلم أسرع عشر مرات من الشاب، يلتقط التفاصيل أكثر أضعافِ من هم في سن البلوغ، دماغه في طور النمو، فالعقل بحاجة للتعلم واكتساب المهارات، فضولي، يطلب المعرفة اللازمة للبقاء، والأهم أن الإنتاج وافر، أما العجائز! بالكاد يتمكنون. كم من جهد تبذله في التركيز؟ وتشعر به يقاومك، يرفض، يقاتل في سبيل أن تتوقف، يشوشك، يغريك بأجمل الذكريات. روبرت: ماذا؟ الذكريات؟ هل تريد القول أن الذكريات وسيلته لتشتيتنا؟ -ليس دائماً، هي إحدى أقوى أسلحته، عندما يريد إلهائنا عن شيءٍ لا يريده، تكون الذكريات أحد أساليبه. روبرت: ولكن هناك من يرون التفاصيل، هناك من يلاحظها سريعاً دون بذل أي مجهود، رغم كبر سنهم. -نعم تماماً كما علمت أنا منذ رأيتك اليوم أنك نمت على الأريكة ليلة أمس. ماذا! لقد صدق موسى فيما قاله تواً، فقد عاد إلى منزل جدته في وقتٍ متأخر، نام على الأريكة دون أن يشعر. موسى: نعم التفاصيل، فضلعك الأيمن يؤلمك، عينك اليمنى تطرف أسرع كلما أحست به، لماذا انتبه عقلي لهذه التفاصيل الصغيرة؟ لماذا أحرق المزيد من الخلايا بلا فائدة؟ لقد أجبرته، فرضت عليه قوانيني الخاصة، إنه يعلم الآن أنه إن لم يدقق بالتفاصيل، فإن عقابه وخيم، وخيم جداً. بدأ روبرت يأخذ كلامه على محل الجد: عقاب؟ كيف؟ موسى: فكر، ما هو هدفه؟ توفير الخلايا للبقاء أطول وقت ممكن؟ احسبها يا صديقي، إن كانت ملاحظة طرفة عينك تستهلك من عقلي مائة خلية، فكيف سيدفعها من تلقاء نفسه؟ سيدفعها بكل سرور عندما يعلم أنني سأعاقبه باستهلاك أضعافها إن لم يفعل. شديدو التركيز، أرهبوا عقولهم، إنه يعلم أن عليه أن يركز بالتفاصيل من تلقاء نفسه، لأنه إن لم يفعل فسوف يدربون أنفسهم أكثر بالتركيز في أمور أكثر، وهذا يستهلك المزيد. عليك أن تفرض قوانينك الخاصة، عليك أن تعاقبه بإجباره على استهلاك خلاياه، حتى يستسلم لإرادتك. إلا إن كنت تخطط للعيش ألف عام. روبرت: إذاً أنت تقول إني إذا استطعت أن أتفاهم مع عقلي، أعقد اتفاقيةً معه، على أن يقوم هو بالتدقيق في جميع التفاصيل من أجلى، مقابل ألا أقوم باستهلاك الخلايا بلا فائدة، فإنه سيطيعني؟ موسى: ليس بهذه السهولة، لن يطيعك بإرادته، سيقاومك، حتى تثبت له أنك جادٌ جداً. روبرت: كيف؟ -هل أصابك الصداع؟ وغزٌ أو خدرٌ في رأسك؟ روبرت: لا، أكمل. موسى: هل تسمع بالمذهب الصوفي الإسلامي؟ دعني أخبرك عنهم، هؤلاء القوم يمكنهم فعل خوارقَ عديدة، بعضهم يقول إن من بينهم من يملك قوىً جسدية خارقة، عدم الإحساس مثلاً، ومن بينهم من يتمكن من مغادرة جسده ثم العودة إليه، ولكن المثبت أن كثيراً منهم يتمكن من التغلب على الألم، وأن الألم الجسدي هو مفتاحُ جميع الخوارق التي يمكنهم فعلها. روبرت: لم أسمع بهم ولكن هناك الكثير من المذاهب والفرق يمكنها هذا، بعض أتباع الديانة البوذية يمكنهم هذا، على الأقل هذا ما نسمعه. موسى: صحيح لأن الأمر لا يتعلق بالدين من الأساس، بل بالعقل، فالصوفية، البوذية، كثيرٌ من المذاهب التي نراها متطرفة عما اعتدنا عليه، لديهم طقوسٌ غريبة يتخللها الكثير من التركيز والتأمل، والعذاب الجسدي، وبطريقة ما دون أن يعلموا فإنهم يهددون العقل بالموت من خلال هذا العذاب، وهو في مرحلة ما يستسلم لهم، يقدم لهم ما يريدون في سبيل إيقاف هذا الجنون، تماماً كأن تتعرض لحادث سير، ولكن في حالتهم فالحادث مصطنع، إنهم لا يدركون هذا، لا يعلمون السبب وراء حدوثه، لكنهم لاحظوا أن الكثير من التركيز، التأمل، العذاب الجسدي، يجعلهم قادرين لاحقاً على فعل المعجزات. روبرت مستاءً من كلامه الأخير: هل تريد القول أنك عذبت نفسك جسدياً؟ هل تريد من جميع البشر محاولة الانتحار في سبيل الوصول للخوارق؟ حسناً، إن ألقيت بنفسي الآن من بناء عالي، سأموت، لماذا لا تتفجر طاقته لينقذني؟ هذه المرة موسى من ضحك: ماذا تقول! من قال إن العقل يمكنه الطيران؟ الذي أؤكده لك، أنك إن ألقيت بنفسك من هناك، فإنه سيحاول إنقاذك، لكن للأسف فأنت لا تملك أجنحة يا صديقي، والعقل لا يمكنه تحقيق المعجزات، كل الخوارق التي تسمع بها، لا غرابةً فيها، ولا معجزات، أنت جاهز لها، ربما في وقت ما من ماضينا كنا قادرين على فعلها بلا مجهود يُذكر، قبل أن يفرض علينا قوانينه الخاصة، ويخدعنا، ويدفن الحقيقة بعيداً لينشد خلوده الذي يريد. أشاح برأسه قليلاً، يستجمع أفكاره، أكمل حديثه: ومن قال أن العذاب الجسدي يهدد العقل أصلاً؟ يمكنه منعه إن أراد بإيقاف نقل إشاراته العصبية، هذا العذاب يصبح مهماً له عندما يصل إلى مرحلة تهدد حياته وصحة جسده فقط، فهو لا يهتم بما تشعر به من ألم، ففي بعض الأحيان يكون الألم وسيلته لينبهك لوجود خلل وخطر على حياته، وفي كثير منها يكون سلاحه ليجبرك على فعل ما فيه مصلحته، يستعبدك من خلاله، وبمجرد أن تتوقف، سوف يستعيد العقل السيطرة، وهذه ليست الطريقة الأمثل لإرهابه، لا يا صديقي، بل الخلايا، إهدار الخلايا يرهبه أكثر ألف مرة. روبرت: وكيف أهدرها؟ كيف أجعل عقلي يدقق في التفاصيل رغماً عنه؟ ما الذي يمكنني فعله لأهدر هذا الكم من الخلايا بلا حاجةٍ ضرورية؟ موسى: عليك أن تتخاطب مع عقلك، إيجاد سبيل ترهبه فيه والسبل كثيرة، شيءٌ تستهلك به الكثير من الخلايا بلا طائل، سوف يقاومك، ولكن عندما يدرك أنك ستستمر في هذا الإهدار عقاباً له على بخله معك، فسوف يعقلها، حرق بعض الخلايا من أجل التركيز في طرفة عيني، أفضل من عقاب يحرق به ملايين الخلايا بلا فائدة. سوف يطيعك عندما يُدرك أنك تدرك ما تفعله، وأنك تتعمد الإهدار، والسبيل لإيقافك هو الطاعة، وفي مرحلة ما يمكنك عقد تلك الاتفاقية معه، قدم لي مزيداً من الخلايا، وإلا …. وانتبه جيداً لما أقوله الآن، فالفرق كبير بين أن تهدر الخلايا دون أن تدرك أنت ما تفعله، وبين أن تفعلها عامداً متعمداً. ففي الأولى تتوقف لاحقاً كما بدأت، مرحلةٌ وتنتهي، نزوة، لعبة، ظرفٌ طارئ، عقلك يراهن بها على توقف هذا الإهدار بعد وقتٍ قصير بمجرد انتهاء الظرف أو النزوة، ولكن في الثانية فإنك تخاطبه، تقول له إني أعلم، ولن أتوقف، وإني أهدر خلاياك عامداً متعمداً. هل تريد إيقاف هذا الإهدار الغير ضروري؟ الذي سيستمر للأبد؟ أطعني إذاً. التركيز في التفاصيل، التأمل، إيجاد الاختلافات بين الصور، إجباره على التدقيق في الأمور الصغيرة، حفظ معالم الطريق، الانتباه لكل شيءٍ حولك، السبل كثيرة جداً، وناجحة نوعاً ما، لولا أنه اعتاد على مقاومتها والتحايل عليها، فهو يطور آلياتِ دفاعه باستمرار، ولكني أفضل طريقة أخرى، تستفزه أكثر، تثير جنونه، تجعله يرضخ أمامي كمارد الفانوس، سمعاً وطاعة. -ما هي؟ قال روبرت بحماسة. أشار موسى برأسه نحو النافذة: ما رأيك بعد أوراق تلك الشجرة؟ Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الثاني والثلاثون. تحري إلكتروني December 12, 2022December 13, 2022 بالحديث عن الموقع الإلكتروني، فهو في المكان المناسب تماماً، معهد ماساتشوستس للتقنية. بعد أسبوعٍ من… Read More الفصل الرابع والأربعون. لعبة المحترفين December 12, 2022December 13, 2022 برنامج المحادثات الهدهد: مرحباً، أمرٌ غريبٌ حدث. سوفش: أهلاً، ما هو؟ -كلمني روبرت هاتفياً، يريد… Read More الفصل الرابع والثلاثون. إنذار فوري December 12, 2022December 13, 2022 -حسناً، لا بد من سؤالها لمراجعة وصل الدفع، سأفعل ذلك جاك: انتظر دعنا نجرب شيئاً،… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الثاني والثلاثون. تحري إلكتروني December 12, 2022December 13, 2022 بالحديث عن الموقع الإلكتروني، فهو في المكان المناسب تماماً، معهد ماساتشوستس للتقنية. بعد أسبوعٍ من… Read More
الفصل الرابع والأربعون. لعبة المحترفين December 12, 2022December 13, 2022 برنامج المحادثات الهدهد: مرحباً، أمرٌ غريبٌ حدث. سوفش: أهلاً، ما هو؟ -كلمني روبرت هاتفياً، يريد… Read More
الفصل الرابع والثلاثون. إنذار فوري December 12, 2022December 13, 2022 -حسناً، لا بد من سؤالها لمراجعة وصل الدفع، سأفعل ذلك جاك: انتظر دعنا نجرب شيئاً،… Read More