December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الثاني. مفتاح التطور على ضفاف نهر البسفور في إسطنبول، يتلألأ متحف التوب كابي، بجوار كنسية أيا صوفيا وعلى مرمى حجرٍ من مسجد السلطان أحمد، يضم المتحف عدداً من أعظم تراث المسلمين، بضع خصلاتِ شعرٍ قيل إنها لنبي الله محمد، وعددٍ من مقتنياته الشخصية. وقف “روبرت ويل” طالب الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتقنية في ممرٍ ضيق في أحد أبنية المتحف عائداً بخياله قرنٌ ونصف القرنِ من الزمان، موجهً كلامه لرداءٍ أصفر اللون، عباءةٌ عربيةٌ قديمة، وضعت في صندوقٍ زجاجيٍ كبير مُحكم الإغلاق، يحيط به أكثر أنظمة الإنذار حساسية في العالم، عباءة ثمينة جداً، قيل أنها تعود لنبي المسلمين محمد. ينظر لها بكل وقار، متسائلاً: كيف عرفت أن هذا ممكن الحدوث؟ قبل قرن ونصف! كيف علمت بذلك! شابٌ في منتصف العشرينيات من عمره، طويلُ القامة، نحيلُ الجسد، أبيض البشرة، أزرق العينين، شعر بني ووجه مستدير، خليط من الأعراق، أبٌ إنجليزي، أمٌ يهودية بولندية، يشببها كثيراً، بينما العناد وصلابة الرأس؟ فهذا إنجليزيٌ لا محالة. لم يثنه كونه ابن أحد سماسرة العقارات عن اختيار المجال الأكاديمي، فقد شغفته الفيزياء حباً، ففي طفولته اعتاد مراقبة الغيوم وحركتها الفوضوية، النجوم وأشكالها، مواقعها، المسافات بينها، وجد في الفيزياء مجالاً من الخيال لا متناهياً في التفكير والبحث المستمر عن إجابات، ليس بالشيء الجديد فالإنسان بطبعه يمجد ما يثير فضوله. وعلى الرغم من دراسته لإدارة الأعمال تحقيقاً لإرادة والده، ثم تخبطه بين رغبته في جعل الفيزياء جزءاً من حياته ومساعدة والده في عمله، إلا أنه تمكن أخيراً من تحقيق حلمه بالالتحاق في معهد ماساتشوستس للتقنية في مدينة كامبردج شرق الولايات المتحدة الأمريكية. واحدٌ من أرقى المعاهد في العالم، إن لم يكن أرقاها، تخرج منه أعظم علماء الفيزياء في القرنِ العشرين، وأكثر نتائج أبحاث الفيزياء بشاعةً، القنابل الذرية التي ألقيت على هيروشيما وناجازاكي. لأي شابٍ، فالدراسة هنا حلمٌ بعيدُ المنال، فبالنظر لمصاريف المعهد السنوية التي تقارب ال 60 ألف دولار أمريكي، ومثلها لمصاريف السكن الخاص والمعيشة، روبرت كان محظوظاً جداً، فهو واحدٌ من ألف طالب فقط تم قبولهم، من أصل 22 ألف طالبٍ تقدموا للالتحاق بالمعهد هذا العام. أشارت الساعة إلى الثانية عشر والربع ظهراً حين خرج من المتحف، سار في زقاقٍ صغير نزولاً نحو المدخل الرئيسي لحديقة “غولهانه” القريبة، جلس في مقهاها المجاور لسورها التاريخي. كانت هذه الحديقة ملحقة بقصر التوب كابي في عهد سلاطين الدولة العثمانية، مخصصة لحاشية السلطان وحريمه، زوجاته وجواريه، لهذا فالباب الوحيد من القصر الذي كان يمكن وصولها منه هو باب مبنى قصر الحريم، هذا قبل أن تقوم الحداثة بعملها على أكمل وجه، وتحول أكثر الأماكن حرمة للسلطان إلى مزار للسياح وتفتح أبوابه من كل اتجاه. نظر مطولاً إلى قائمة المشروبات ثم طلب فنجاناً من القهوة التركية. -مشهدٌ غريبُ أن يحتسي أجنبياً هذا النوع من القهوة! أتاه صوت النادل مع نظرة استغراب ممزوجة بابتسامة ودودة، وهو يسجل الطلب. -ودون أن يلتفت: هو المشروب القومي هنا، صحيح؟ أودُ تجربته. -ضحك النادل: من قال لك هذا؟ -نظر إليه: اسمه؟ ألا يكفي؟ -بنظرةٍ تخفي وراءها سخرية، أجابه: لا يا سيدي، اسمها القهوة التركية، لكنها تُزرع وتستورد من البرازيل، وهي بمثابة مشروبٍ قوميٍ عند العرب، إن أردت تجربة مشروبنا القومي فعليك بكأسٍ من الشاي التركي، أنا على يقينٍ أنك لم تتذوق مثله من قبل. -أثارت جملة النادل الأخيرة حفيظته: الشاي؟ هل تعلم أني إنجليزي! هل تذوقت الشاي الإنجليزي من قبل؟ النادل: بالتأكيد، لكن عليك تجربة الشاي التركي قبل أن تتعجل بالحكم يا سيدي. روبرت: ربما لاحقاً، الآن دعني أجرب مشروب العرب، فيبدو أن حكايتي معهم ما زالت في بدايتها. قادماً من مطار بن غوريون الدولي في تل أبيب عاصمة إسرائيل، هبطت به طائرة الخطوط الجوية التركية في الساعة الثانية عشرة وأربعون دقيقة من ظهر اليوم السابق. سارع الخطى، لم يطق صبراً، أراد الوصول إلى ساحة السلطان أحمد في قلب إسطنبول القديمة، “القسطنطينية”. أنهى إجراءات القادمين، خرج إلى باحة المطار، استقل سيارةَ أجرة، إلى ساحة السلطان أحمد. السائق: ما اسم الفندق يا سيدي؟ روبرت: أريد الذهاب إلى متحف التوب كابي مباشرة -هل تود زيارة المتحف؟ -نعم -ولكن أخشى ألا يسعفك الوقت لزيارته اليوم، فأبوابه تغلق في تمام الساعة الثالثة عصراً. نظر إلى ساعته، أشارت إلى الثانية والخمس دقائق عصراً، أخرج من جيبه هاتفه النقال، فتح تطبيق الحجوزات الفندقية وأظهر عنوان الفندق للسائق، في وسط الساحة التي تعج بعشرات الفنادق القديمة الصغيرة، ذات الغرف الضيقة، فالسكن هنا في أكثر الأماكن اكتظاظا بالسياح في تركيا، مكلفٌ جداً. انطلقت سيارة الأجرة، أحاطت التلال الخضراء بالطريق من كل جانب. كان قد أجرى بحثاً سريعاً عبر الانترنت عن هذه المدينة، قبل أن يحسم أمره بأن عليه زيارتها ومقابلة أحدهم. ماذا أفعل هنا؟ ما الذي أصابني؟ قبل شهر حين كلمته أمه هاتفياً من لندن، كان جالساً برفقة زميلته كريستين في مقهى “فوربس” العائلي في معهد ماساتشوستس، يخطط لإجازةٍ تمتد لأسبوعٍ كامل، وكيف سيستغلها لاستدراج هذه الفيزيائية الحسناء للوقوع في فخ علاقةٍ جادة. كريستين فتاة خجولة، ذكية، طاقتها نحو الفيزياء لا تنضب بقدر غموض الكون، أعتقد أن التعبير يكفيها حقها، حاصلة على منحةٍ خاصة للالتحاق بالمعهد، نظراً لتفوقها الأكاديمي، من عائلة كاثوليكية محافظة من أصول أيرلندية هاجر أجداها لولاية كاليفورنيا في القرن التاسع عشر. الخجل في المرأة سمة باتت نادرة، ولكن ما زال لها ذات التأثير القديم على الرجل، فلا شيء في هذه الدنيا يثير الرجل نحو المرأة كخجلها. عيناها الزرقاوان الصافيتان وكأنهما السماء في نهار يومٍ ربيعيٍ مشمس، كبحر من السكون يقبع خلف نظارتها ذات الإطار الأسود، شعرها الذهبي وبشرتها البيضاء، قوامها المعتدل، وجسدها الممتلئ، تنظر إلى فنجان قهوتها مرة، وإلى المخرج مرتين قبل أن ترمقه بنظرةٍ سريعةٍ خاطفةٍ خجولة. آخر ما كان يتوقعه، هو شيءٌ يقطع روعة هذه اللحظة، لكن أحياناً تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وصله اتصالاً هاتفياً من شخصٍ لا يمكنه تجاهله، استأذن منها وذهب بعيداً بضعَ خطواتٍ. روبرت: مرحباً أمي، كيف حالك الأم: بخير، سأذهب إلى تل أبيب في نهاية الأسبوع، هل لديك ارتباطات؟ -ضحك وقد فهم مقصدها: وما دخل ارتباطاتي في مخططاتك للسفر؟ -بنبرة الموبخ: هل ستأتي معي أم تدعني فريسةً للمتعصبين؟ أبوك مشغولٌ في عمله، في الحقيقة هو دائماً مشغولٌ عن القيام بأي واجبٍ ديني. -حسناً لا داعي للحديث بهذا الموضوع مجدداً، للأسف لدي موعدٌ في نهاية الأسبوع، ربما عليك تأجيلها. – وهل هناك موعد أهم من موعدٍ مع الله؟ – سنلتقي في تل أبيب، أرسلي لي موعد وصول طائرتك لم يكن له أن يرفض طلب أمه لزيارة حائط المبكى في أورشليم “القدس”، فهي يهودية متدينة، أما أبوه، ورغم كونه من عائلةٍ مسيحةٍ متدينة، إلا أنه يعبد العقارات أكثر من أي شيءٍ آخر. فمنذ سُمح للنساء بالصلاة عند الحائط في عام 2013 بقرارٍ رسميٍ صادر ٍعن المحاكم المختصة في إسرائيل، دأبت أمه على فعل ذلك، رغم جميع الانتقادات والرفض وبشكل خاص من التيار اليهودي المتشدد “الحريديم” والذي تسبب بأعمالِ شغبٍ وصل في بعض الأحيان للتهجم على النساء المصليات. لهذا ما كان ليترك أمه تذهب وحيدة، ليس الآن على الأقل، ففي زيارتها الأخيرة تعرضت للبصق والتهجم من المتشددين، كادوا يقتلونها، وما كان ليغضبها وهو يعلم كم من الجهود بذلت مؤخراً في إقناع أبيه على مساعدته في دفع تكاليف الدراسة الباهظة في معهد ماساتشوستس. وسط هذه الأجواء من الفوضى الدينية، وجدت حياتهم الأسرية سبيلها للاستمرار، فالحب يصنع المعجزات، أو هكذا يقولون، وهو يعلم أهمية زيارة حائط المبكى بالنسبة لها، فلا بد أن أمه المنتسبة لجماعة “نساء حائط المبكى” لديها ارتباطات هامة، فقد كان لها دور فاعل وهام في نضالهم المستمر منذ عام 1988 للحصول على قرارٍ رسميٍ بالسماح للنساء بالصلاة عند الحائط. وقد حرصت منذ طفولته على اصطحابه معها إلى أورشليم كعادة جميع اليهوديات، فالمرأة اليهودية تورث دينها لأبنائها. عاد إلى مقعده يجر أذيالَ الخيبة -كريستين أعتذر لدي ارتباطٌ هام في نهاية الأسبوع، لن نتمكن من الخروجِ سوياً كريستين متعجبة: عفواً؟ هل كنا قد اتفقنا مسبقاً على الخروجِ سوياً في نهاية الأسبوع؟ احمرّ وجهه، تصبب عرقاً، تباً لي، لا يوجد بيننا اتفاق على أي شيء! لقد أراد الخروج معها حتى أنه توهم أنه قد طلب هذا وقد قبلت! -أعتذر، لم أقصد هذا، تلعثم ثم أضاف: كل ما قصدته أنني كنت أنوي فقط، وددت، فقط أردت،…. قاطعته: لا عليك، هل استجد لديك شيء؟ ارتباطٌ مفاجئٌ ربما؟ روبرت: نعم، اسمعي، أود الاعتذار أنا لم أقصد… قاطعته مجدداً: لا عليك يا روبرت احمر وجهها خجلاً، ثارت رجولته، تأججت مشاعره، حين قالت: في الحقيقة أنا غير منزعجة أبداً. لم يكن صعباً على فيزيائيةٍ بذكائها أن تفهم ما خلف نظراته لها، يتفحصني كلما جلسنا، ينظر إلى أدق تفاصيلي كلما أشحت بنظري عنه، شفتاي، رقبتي، كتفي، نظرات ملؤها الشغف والرغبة، هي خجولة ولكنها أنثى، لن تفشل في الإحساس برغبات رجل نحوها، وهذه أحد أهم نقاط قوتها التي ورثتها عن أسلافها نساءُ العصرِ الحجري. تشيح بنظرها عنه، ولكنها ما زالت تراه، فالمرأة ترى محيطها بنظرة شاملة أوسع مما يراه الرجل، تلتقط مستشعراتها المخاطر، المشاعر، الرغبات المكبوتة، أضعاف ما يمكنه ذلك. يكفي أن تقف أمام خزانة الملابس ودون أن تحرك رأسها أو عيناها، ترى جميع محتوياتها، تجد ضالتها في ثانية، في حين على الرجل أن يحرك عيناه ورأسه وربما معظم أعضائه بالإضافة لجميع حواسه ليتمكن من إيجاد ما يبحث عنه، وفي الغالب يفشل في ذلك. هكذا طور عقلنا هذه القدرات الجسدية، عبر آلاف السنين، كلما دعت الحاجة، فحاجة الرجل كانت التركيز على سهمه وفريسته، فتطورت رؤيته الأمامية، صار أكثر تركيزاً، في حين أن حاجة المرأة هي حماية المسكن والأطفال من المخاطر، فتطورت نظرتها الشاملة لترى محيطها بشكل أوسع من الرجل. هكذا برمج عقلنا نفسه، وعلى هذا النهج طور قدراتنا. ما ليس له حاجةً به يتركه أو يهمله حتى يذبل ويموت، وما يتهيأ له أنه بحاجته، يبقيه، يعززه، ويقويه. الضرورة، هي كلمة السر ومفتاح التطور. حتى الرياضيون يدركون هذا جيداً، ففي صالاتِ بناء الأجسام يرفعون الأوزان تدريجياً، لإجبار عقولهم على تغذية وبناء العضلات، وطالما أنهم ما زالوا يتألمون في رفع وزن ما، فإن عقولهم تدرك أنهم بحاجة للمزيد من القوة العضلية، ليتمكنوا من التعامل مع هذا الوزن بلا خطر، فيبدأ العقل بتدعيم العضلات بالبروتين، بالتالي تقويتها وزيادة حجمها، بل إن لم يجد البروتين الكافي في النظام الغذائي، قام بتخليقه. وكلما أصبحت العضلات أقوى، وأصبح حمل الوزن على المتدرب أكثر سهولةً، قام بزيادته، ليبدأ العقل بتقوية العضلات أكثر للتعامل مع الوزن الجديد. وإذا توقف عن زيادة الأوزان، تجمدت العضلة عند القوة والحجم الكافي لحمل الوزن الحالي. مبدأ الإهمال والاستعمال، ما له حاجةً يبقى، وما ليس له حاجةً يفنى. ولكن حاجةَ موسى مؤخراً أثناء ذهابه لصالة بناء الأجسام لا تكمن في تحفيز العقل على تلبية الحاجات العضلية. بل أسبابه كانت أكثر عمقاً وخطورةً وجنوناً…. وحاجة من منا!… Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل التاسع والأربعون. صفر وواحد December 12, 2022December 13, 2022 تاركاً خلف باب الزاوية الصوفية بكل ما فيه من عشوائية ونقاط الإنتروبي، دخل عبر ممرٍ… Read More الفصل الرابع والثلاثون. إنذار فوري December 12, 2022December 13, 2022 -حسناً، لا بد من سؤالها لمراجعة وصل الدفع، سأفعل ذلك جاك: انتظر دعنا نجرب شيئاً،… Read More الفصل الثالث والستون. تجهيز الخليفة December 12, 2022December 13, 2022 أين الجهاز اللوحي؟ قالت ألكس وهما في غرفة الفندق. روبرت: لقد شاهدت ما به، مجردُ… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل التاسع والأربعون. صفر وواحد December 12, 2022December 13, 2022 تاركاً خلف باب الزاوية الصوفية بكل ما فيه من عشوائية ونقاط الإنتروبي، دخل عبر ممرٍ… Read More
الفصل الرابع والثلاثون. إنذار فوري December 12, 2022December 13, 2022 -حسناً، لا بد من سؤالها لمراجعة وصل الدفع، سأفعل ذلك جاك: انتظر دعنا نجرب شيئاً،… Read More
الفصل الثالث والستون. تجهيز الخليفة December 12, 2022December 13, 2022 أين الجهاز اللوحي؟ قالت ألكس وهما في غرفة الفندق. روبرت: لقد شاهدت ما به، مجردُ… Read More