December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الخامس والخمسون. في العام الخاطئ شق الحنطورُ طريقه عائد للسوق الرئيسي، قبل الوصول، دوارٌ صغير، يتوجب عليه التوجه شمالاً عبر الطريق المنحدر، لكن السائس توجه يميناً صعوداً في شارعٍ بين المنازل. الطريق ليس من هنا، قال روبرت شدت يدها على يده: اهدأ روبرت: هل أنت واثقة من أنهم لن يؤذونا؟ بكل ثقة قالت: لن يؤذينا، على الأقل لن يؤذيني جحظت عيناه: عفواً، ماذا؟ شدت على يده مجدداً: لن أسمح له بأذيتك منفصم عن الواقع، هكذا تم تشخيصه نفسياً لدى وكالة الاستخبارات المركزية، وانفصامه هذا مصدرُ قوته، يخرج من شخصيةٍ، ينتحل مباشرةً شخصيةً جديدة، مختلفة تماماً، يعيشها وكأنه كان بها طوال حياته، نقطةُ قوةِ كلُ عميلٍ محترف، ولها ثمنٌ باهض، وفي كثير من الأحيان ينتهي الأمر بأمثاله بنفحة من الجنون. لذلك لا بد من مراقبتهم وتقييمهم نفسياً بصورةٍ دورية، فآخر ما تريده الوكالة عميلٌ لها منتحراً برسالة يفضح بها الكثير من الأسرار، أو منحازاً لخصومهم، أو مجنوناً يدور الطرقات يهذي بكلام من هنا وهناك. إنها تتحمل مسؤولياتها اتجاههم، هؤلاء الأشخاص يعانون كثيراً، وكلما تدربوا أكثر، مارسوا العمل أكثر، أصبحوا محترفين أكثر، وزادت فرصة جنونهم أكثر. إلا أن شيئاً مختلفاً فيه، لم تفوته فراسة ألكس. ليس ذلك الانفصام الذي عهدته، فعند مجالسته، الحديث معه، تبدو كل التقارير الورقية وكأنها كتبت عن شخصٍ مختلف، وكأن في أعماقه شخصاً آخر لا أحد يعرف عنه شيء بعد، وكأن جميع هذه الشخصيات التي لعبها هي شخصيةٌ واحدة، كأن كل شيء ينبت من داخله. أكثر ما أشغلها، هل هو صادق في كونه عميلٌ للمخابرات، أم أنه دورٌ يلعبه كما عشرات الأدوار التي لعبها ويلعبها لصالح الوكالة. شكوكٌ كثيرةٌ تدور حوله، ضباط عجزوا عن إدارته، والتعامل معه، غيرت الوكالة ضابط الارتباط معه كل بضعة أشهر، إنه خارج السيطرة نوعاً ما، إلا أنها في الوقت ذاته غير قادرة على إنهاء خدماته. فكلما اقتربت من اتخاذ هذا القرار، فعل شيئاً جعلهم يتمسكون به أكثر، مبدعٌ، متميزٌ، مبتكر، لا يمكننا التفريط به بسهولة. حتى وصلت ألكس، ضابط الارتباط الوحيد الذي عمل معه لسنوات، استقر حاله، لم يعد ذلك المشاكس الغامض، فهمته تماماً، رمت جميع التقارير والأوراق والآراء خلف ظهرها، وتعاملت معه مباشرة، بلا حواجز. لم يكن يتقمص شخصيات ببساطة، لم يكن يمثل، بل كان هو فعلاً، كل شخصية لعبها، كل كذبة كذبها، كل فوضى أفتعلها، كانت هو، بلا تمثيل، ولا تصنع. قال لها، جميعها شخصياتٌ مركبة، إن بحثت في كل شخصية منها فستجدين شيئاً يربط بينها وبين الآخر، أنها كالمكعبات، أبنيها فوق بعضها البعض، ولا أتقمصها، ما يحتاجه الأمر هو التدقيق في التفاصيل، وستجدين خيطاً رفيعاً يربط بينها. وثق بها، ووثقت به، باتت صديقته، ربما الوحيد في هذا العالم، إلى حين دخلت كاترينا حياته. لا تعرف شيئاً عما حدث معه مؤخراً، ولكنها تعرف ذلك الرجل القابع في أعماقه أسفلَ هرم المكعبات، لن يؤذيني، لقد وثقت به من قبل، ووثقت به اليوم، ولن تقبل مروءته الغدر، ليس من هذا النوع، لن يفعلها. بين القصور، باتوا مكشوفين في العراء، بلا ساتر الاكتظاظ، فهذا الطريق لا يسلكه السياح عادة، لا شيء هنا إلا قصور مغلقة، ومنازل فخمة، بعيد عن السوق وبعيد عن الطريق الرئيسي الواصل بينه وبين التلة والشاطئ، مركبتان كهربائيتان من بين جميع المركبات، انعطفتا يميناً خلفهم. بعد لحظاتٍ، انعطف نحو اليمين، وتوقف في زقاقٍ فرعي من الطريق، خلفه مباشرة، توقفت مركبتان، ثم أكملت طريقهما، لم يعودوا مرئيين لهم. علا صوتُ هرج ومرج، رجالٌ يصرخون باللغة التركية. تحرك السائس ملتفاً في الزقاق من حول البناء عائد للطريق الرئيسي، خرج من زقاقٍ بعده، وعلى الطريق شاهدوا فريق المطرقة، ملقىً على الأرض، محاطاً بالعديد من رجال الشرطة. مر بجوارهم عائداً باتجاه السوق، نظرت ألكس إليهم مباشرة، عرفتهم، المطرقة وشخصٌ آخر ليسا بينهما، لم تتفوه بكلمة. أمسكت الشرطة بأيديهم كيسان صغيران بمسحوقٍ أبيض، أخرجوهما من العربتين، ومسدساتٍ نارية كانت بحوزة السائقين. قال السائس: المساكين، سوف يقضون وقتاً طويلاً في السجن، مخدرات وأسلحة نارية! نظر إلى ألكس: لا علاقةَ لنا بالأسلحة أعاد نظره إلى الأمام، قال: أما المخدرات فكان عليهم تفتيشُ عرباتهم قبل استئجارها. ضحك بأعلى صوته. التفت إليها: سيدتي، هل تحملوا أي أسلحة؟ ألكس: كلا انعطف في زقاقٍ فرعي، ثم توقف على باب أحد المنازل: تفضلوا إنه في الداخل ينتظركم. ترجل الاثنان ودخلوا المنزل، ساحةٌ صغيرة ثم درجاتٍ صعوداً، فتح الباب من تلقاء نفسه بمجرد أن وصلوا عنده. الخادم: من هنا رجاءً. ساروا خلفه نحو صالةٍ كبيرة، نكز روبرت يد ألكس، همس لها: إنه هو، نفس الخادم في الزاوية الصوفية. نظرت له باستهجان! أرادت القول، هل هذا ما يشغلك وسط كل ما يجري حولنا؟! وفي الصالة، جلس على أريكةٍ فاخرة، ينظر لهما، مبتسماً… بلا أي مقدمات، ولا حتى كلمة ترحيب، بادرها الحديث. -كيف علمتي أن عليك ركوب الحنطور إلى التلة؟ ألكس: اتبعت ما يفعله أغلب الناس، ذهبتُ مع الريح. ضحك، ثم ضحك أكثر كررت لتوها كلماته، قال لها دوماً، عندما لا أعلم ما أفعل، أذهب مع الريح، تأخذني حيث تشاء. ألكس: غريب، بحثت بالأمس عن جزيرة الأميرات، قرأت خبراً أنه تم إلغاء الحناطير بها نهائياً منذ عام 2020! فاجأني وجودها اليوم. بيبرس: سيكون قرارٌ خاطئ، فرغم رائحة روثها النتنة، إلا أن السياح يحبونها. أخذ نفساً من سيجارته، نفخه قال: هي موجودة لأنهم لم يلغوها بعد، ما زال أمامنا سنةٌ واحدة. فكل ما في الأمر هو أنكِ تظنين أننا في العام الخاطئ. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الستون. دماء ملكية December 12, 2022December 13, 2022 بعد ليلةٍ شيطانية، أفاق من نومه على شفتين تقبلان جبينه، ودمعة تسقط على خده. صوت… Read More الفصل الثاني والستون. وصية السيد الكبير December 12, 2022December 13, 2022 أفاق من تأثير المخدر على سريرٍ فخمٍ في غرفة ملكية، بجواره على الطاولة جهاز جده… Read More الفصل الخامس والأربعون. وجهه مألوف December 12, 2022December 13, 2022 طوال أيامٍ تلتها، تلقى تدريباً استخباراتياً سريعاً، وتم رسم الخطة، وخطة الطوارئ. ستذهب إلى القدس،… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الستون. دماء ملكية December 12, 2022December 13, 2022 بعد ليلةٍ شيطانية، أفاق من نومه على شفتين تقبلان جبينه، ودمعة تسقط على خده. صوت… Read More
الفصل الثاني والستون. وصية السيد الكبير December 12, 2022December 13, 2022 أفاق من تأثير المخدر على سريرٍ فخمٍ في غرفة ملكية، بجواره على الطاولة جهاز جده… Read More
الفصل الخامس والأربعون. وجهه مألوف December 12, 2022December 13, 2022 طوال أيامٍ تلتها، تلقى تدريباً استخباراتياً سريعاً، وتم رسم الخطة، وخطة الطوارئ. ستذهب إلى القدس،… Read More