December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الرابع عشر. ليس نهراً -تفضل معنا، أوزجان في انتظارك. انطلقت بهم سيارة حرس الحدود التركي “الجندرما” باتجاه مدينة أنطاكيا القريبة، لم يتحدثوا بكلمةٍ واحدة، هكذا الأوامر لديهم، احضروه بعد التأكد من هويته دون التحدث معه حرفاً. تركوا المهاجرين في حال سبيلهم، فليس لديهم أي أوامرٍ بخصوصهم. عبر سلسلة الجبال شمالاً، شقت طريقها مسرعة وصولاً إلى منطقة الحربيات ذات الغالبية العلوية، حيث حاجز الشرطة التركية، هناك يفتشون السيارات بحثاً عن المهاجرين غير الشرعيين. لم تتوقف السيارة، أكملت طريقها باتجاه المدينة، وبعد بِضعة كيلومترات، انعطفت يميناً ثم نحو مواقف السيارات الخلفية للمركز التجاري “البرايم مول”، فارغ بلا سيارات في هذا الوقت من الصباح إلا سيارة مرسيدس بينز سوداء ضُللت كامل نوافذها باللون الأسود. التفت الرجل في المقعد الأمامي نحوه، تفضل، وأشار بيده نحو السيارة، نزل الشيخ رسلان من سيارة حرس الحدود، ونزل رجلٌ مفتول العضلات من المقعد الأمامي لسيارة المرسيدس، فتح له الباب الخلفي، انطلقت مسرعة مبتعدة، سالكة طريق مطار هاتاي المحلي الذي يبعد نحو 20 كيلومتر. في المقعد الخلفي رسلان مذهولاً، لم يستوعب بعد وقع الصدمة! حدّثه رجلٌ جلس بجواره، باللغة العربية: هل تذكرتني يا أخي؟ -هذا أنت! بيبرس! معقول؟ مستحيل! ابتسم بكل رزانة: نعم يا أخي، رجل المخابرات المحترف هو آخر من تظن أنه يعمل للمخابرات. -أنت أوزجان؟ -نعم، يمكنك مناداتي باسمي الذي تعرف، بيبرس. -ولكن كيف! أنت…… قاطعه بحركةٍ سريعة بيده، غمزه بطرف عينه، فهم رسلان فوراً، فالسائق والحارس الشخصي غير مصرحٍ لهم معرفة كل شيء. أضاف: رحم الله رامان، كنت أتمنى لو أنه معنا الآن. أوزجان اسم تركي، معناه سر الروح، ليس اسمه الحقيقي، كما هو بيبرس، لا أحد يعرف اسمه أو حتى بلده الأم! المؤكد أنه ليس تركياً، فهو لا يتحدث اللغة التركية، ملفه بالكامل حكراً على عددٍ قليلٍ من الأشخاص رفيعو المستوى، لا أحد غيرهم يعرف سر هذا الرجل، حقيقته، بلده، كيف تمكن من أن يكسب كل هذه المصداقية والصلاحيات في تركيا، لا بد أنه فعل أمراً عظيماً جداً حتى نال هذا القدر من الاهتمام. أربعيني، طويل القامة، أبيض البشرة، معتدل الجسم، عينان بنيتان، لحية خفيفة، أصلع الرأس، كثير التركيز، دقيق في التفاصيل، قليلُ الضحك رغم امتلاكه روحَ دعابةٍ استثنائية. تواجد في سوريا بصفته ثائراً لسنوات طويلة، قاتل بيبرس في معارك عديدة في سوريا، وفي عام 2015 التقى رسلان في إحدى زياراته لأصدقاءٍ قدماءٍ له من جماعة أنصار العراق، بدأت من هناك علاقتهما، استمرت لبضعة أشهرٍ فقط، تبادلوا فيها العديد من الأفكار عن التنظيمات الوظيفية. فبيبرس يعتبر الصندوق الأسود لجميع هذه الأسرار، تواجد في دول كثيرة توجد بها أخطر التنظيمات الوظيفية في العالم، ودوماً كان منتسباً لها، يعمل في صفوفها، لديه معارف كُثر، مُطلع على كثيرٍ من أسرارها، غامض جداً. وفجأة اختفى من شمال سوريا، لم يعد يعرف له أحد أي أثر، انقطعت جميع وسائل الاتصال به. قبل بضعة أشهر تواصل معه أوزجان على إثر ما نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن خطر التنظيمات الوظيفية، عرفه بنفسه، صحفياً يود إجراء مقابلة صحفية معه. لم يقبل رسلان مقابلته، ولكن علاقتهما عبر الإنترنت استمرت، زوده أوزجان بأفكارٍ كثيرة وحقائقٍ أكثر للتحدث عنها، كانت من أكثرها تأثيراً، وسرعان ما بدأ رسلان يفهم، ليس صحفياً بالتأكيد! وقبل أسابيع ألح عليه بضرورة مغادرة سوريا هو ورامان، فالتنظيم الوظيفي يطلب رأسيهما، نبهه من مخططات لاغتيالهم، نجوا بفضل حمايته لهما، لكنهما رفضا عرضه لخروج آمن إلى تركيا. بعد انتهاء مراسم دفن رامان، تواصل معه هاتفياً لأول مرة، حدثه بلهجة جادة، رحم الله صديقك، عليك الخروج، الآن وفوراً، أعطاه رقم هاتف شابٍ سوري يعمل في تهريب المهاجرين غير الشرعيين بين سوريا وتركيا، تواصل معه واتبع تعليماته. على الطريق السريع، لم تنحرف السيارة باتجاه المخرج المؤدي إلى المطار، أكملت طريقها نحو جبال الإسكندرونة، سلسلة جبلية تمتد على طول مقاطعة هاتاي بالكامل وعاصمتها أنطاكيا، وهي الحاجز الجغرافي الذي يفصل تركيا عن سوريا، كانت حتى 1926 ميلادي تابعة لولاية حلب ضمن سوريا العثمانية، ثم في عام 1938 قامت فرنسا بصفتها دولة الانتداب المحتلة لسوريا بمنح الإقليم حكماً ذاتياً، وفي عام 1939 انسحبت منه لتدخله القوات التركية ليصبح جزءاً من دولة تركيا الحديثة، حصل يومها على اسمه هاتاي، ما زال أهلها يتحدثون اللغة العربية بصفتها اللغة الأم، وغالبيتهم من أبناء الطائفة العلوية، وهي ذات الطائفة التي ينحدر منها بشار الأسد في سوريا. نظر عبر النافذة، شرد ذهنه للحظة قال: دائما أذكر يومي الأول، لن أنساه أبداً، أتيت عبر الحافلة من إسطنبول، بعد رحلة دامت 16 ساعة، دخلت أنطاكيا عبر هذه الجبال. رسلان: هل نحن ذاهبان إلى إسطنبول؟ أوزجان بنظرة استنكار: لا بالطبع. نظر خلفه باتجاه اليمين قليلا، لقد فوتنا مخرج المطار قبل برهة، أضاف قائلاً: أنت لا تملك أي أوراق ثبوتية أليس كذلك؟ رسلان: نعم ولا حتى العراقية. أوزجان: نحن ذاهبان الآن إلى مدينة أضنة، تبعد 3 ساعات فقط، يوجد استراحات في الطريق سوف نرتاح قليلاً، نشرب فنجاناً قهوة، نتناول وجبةً سريعة، أعلم أنك مرهقٌ بعد ليلةٍ متعبة، الأفضل أن ننهي الأمر سريعاً، ستقوم هناك بالتسجيل للحصول على أوراق هوية الحماية التركية المؤقتة بصفتك لاجئ سوري تركماني، فلا يمكنك التنقل بحرية ما لم يكن معك أوراق ثبوتية، كما لن يمكنك صعود الطائرة بدونها. أشار برأسه نحو الحارس في المقعد الأمامي: سوف يحرص صديقنا هنا على أن تنتهي جميع الإجراءات اليوم، هل تعتقد أن الوقت سيسعفنا؟ نظر له الحارس، أجابه بلغة عربية ركيكة، لقد انتهت الأوراق بالفعل، هم ينتظروننا لإجراءات بصمة الأصبع، لن يستغرق الأمر خمس دقائق. أوزجان: هل البصمة ضرورية؟ ألا يمكننا تجاوزها؟ الحارس: يمكننا، ولكن إن تعرض لأي طارئٍ عرضي في أي مكان في تركيا، وأراد رجال الشرطة التحقق من هويته عبر بصمة إصبعه، تعلم، سوف يعلمون أنها ليست له! ثم أضاف، وقد رفع حاجبيه وأمال رأسه: عندها عليه الاتصال بنا لنحل المشكلة …. قاطعه أوزجان ضاحكاً بصوت مرتفع: لا بالتأكيد ليس هذه. نظر إلى رسلان: هذا أول درسٍ عليك تعلمه في تركيا، هنا يوجد أجهزةُ دولة متعددة، وكل جهاز له سلطاته، ولن يقدم لك خدماته ببساطة، الأمر ليس كما يحدث في العالم العربي، ليس بهاتف من ضابط مخابرات أو مسؤول يمكنه فعل كل ما يريده في أي مكان، نحن ذاهبان الآن إلى أضنة، لم ننه هذه الأوراق في هاتاي لأن لدى صديقنا هنا رجل هناك يثق به، طلب منه هذه الخدمة بصورة شخصية، على أنك قريبه من ناحية أمه التركمانية، فأخر ما يريده أي جهاز مخابرات هو أن يظهر في الواجهة. نظر من النافذة، شرد قليلاً: نحن أبناء الظلال، فيها ولدنا وفيها نموت. رسلان وقد بدا مرتاحاً أكثر: لمَ تفعل هذا معي؟ ما الذي تريده؟ لا أظن أنك بحاجةٍ لأي معلومات، أنت تعرف أكثر بكثير بطبيعة الحال! نظر له نظرةً عميقة، لحظة صمت، قال: هل ما زلت تبحث عن العيد يا أخي؟ نظر من النافذة، تذكر رامان، عاد بذاكرته إلى تلك التلال، صباح العيد، تحسس قصيدة الوداع في جيبه: نعم، ولا أظن أنني سأجده يوماً. رد عليه: لا تستسلم، لطالما كان عيدك أمام عينيك، لكنك يا أخي، دأبت على البحث في الاتجاه الخاطئ. -في الاتجاه الخاطئ! ماذا تقصد؟ -الأمر سهل بسهولة الخدعة التي عشناها، هل سبق لك ان قرأت رواية تقفز أحداثها بين الماضي والحاضر والمستقبل في آنٍ واحد، كاسرةً النظرة التقليدية للزمن على أنه خطٌ مستقيم أو موجاتٌ تتدفق من الماضي نحو المستقبل، أو نهرٌ يجري في اتجاه واحد؟ الزمن هكذا يا رسلان، ليس نهراً، ولا موجاتٍ، ولا خطاً مستقيماً. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل السابع والستون. نومٌ عميق December 12, 2022December 13, 2022 في غرفةٍ خاصة، في مستشفى ميموريال أنطاليا (memorial Antalya)، افترش السرير جسداً منهكاً، بأضلع متكسرة،… Read More الفصل الستون. دماء ملكية December 12, 2022December 13, 2022 بعد ليلةٍ شيطانية، أفاق من نومه على شفتين تقبلان جبينه، ودمعة تسقط على خده. صوت… Read More الفصل التاسع والثلاثون. تمويل ذاتي December 12, 2022December 13, 2022 في مدينة أنطاليا، بناءٌ من طابقين، مسور، منعزلٌ في الريف بعيداً عن مركز المدينة، البناء… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل السابع والستون. نومٌ عميق December 12, 2022December 13, 2022 في غرفةٍ خاصة، في مستشفى ميموريال أنطاليا (memorial Antalya)، افترش السرير جسداً منهكاً، بأضلع متكسرة،… Read More
الفصل الستون. دماء ملكية December 12, 2022December 13, 2022 بعد ليلةٍ شيطانية، أفاق من نومه على شفتين تقبلان جبينه، ودمعة تسقط على خده. صوت… Read More
الفصل التاسع والثلاثون. تمويل ذاتي December 12, 2022December 13, 2022 في مدينة أنطاليا، بناءٌ من طابقين، مسور، منعزلٌ في الريف بعيداً عن مركز المدينة، البناء… Read More