December 12, 2022December 13, 2022 الفصل التاسع والعشرون. يوم العيد الصوت: هل هو جاهز؟ أوزجان: ليس بعد، أظن أننا على بعدِ خطوةٍ واحدة في اليوم التالي للقائهم في المتحف، زاره أوزجان في غرفته، يحمل على ظهره حقيبةً صغيرة: كيف حالك يا أخي؟ رسلان: بخير، فكرت كثيراً في وجودي هنا، أظن أني عليّ العودة إلى سوريا. أوزجان: إن أردت ذلك يمكنني التحدث لصديقنا، وسوف يؤمن لك الدخول لهناك اليوم، ولكن لمَ العجلة؟ رسلان: لم أفهم حتى الآن سبب وجودي. أشعل لفافةً تبغ، ووقف مقابل النافذة، لم يتحدث بحرفٍ واحد. تقدم منه رسلان، وقف بجواره: أخي، أنا أقدر اهتمامك بي وكل شيءٍ قلته، ولكني تعبت من هذا المكان، اتصل بصديقك أريد العودة. بكل برود أعصاب، أمسك هاتفه، اتصل به، استدعاه للقدوم، نظر إلى رسلان، قال: يلزمه ساعة للوصول، بعد ساعة ستكون في طريقك إلى هناك، اطمئن، هل تسمعني مرة أخيرة؟ هز رأسه موافقاً -هل فكرت بالحتمية من قبل؟ أكمل ولم ينتظر سماع الجواب: فيما مضى كان البشر يعتقدون أن العين ترسل شعاع النور إلى الأجسام فتراها، ثم سأل العالم العربي ابن الهيثم سؤالاً منطقياً إن كانت عيناي من ترسل شعاع الضوء فلمَ لا أرى في الظلام؟ ثم اكتشف أن العين عمياء في أصلها، مستقبلٌ لا مرسل، لا ترى إلا عندما ينعكس الضوء عن الأجسام، فهي تلتقط انعكاسه ولا ترسله. ونحن نفهم الحتمية كما هو فهمنا لحاسة البصر اليوم، نستقبلها ولا نرسلها، فنرى أننا المفعول به، والحتمية الفاعل، لا حول ولا قوة لنا أمامها، علينا استقبالها والتسليم لها، لكن ماذا لو كان فهمنا لها خاطئاً! كما كان فهمنا لحاسة البصر، ففي حين نظن أننا نستقبل الحتمية، فإننا في الحقيقة من يرسلها. ماذا لو كانت الحتمية لا وجودَ لها، ولا انعكاس، ولسنا مصممين لاستقبالها، بل مصممين لصناعتها، وبثها. التفسير العام للحتمية، والذي يتفق عليه جميع المؤمنين وغير المؤمنين، هو أن كل حدث في الكون بما في ذلك إدراك الإنسان وتصرفاته خاضعٌ لتسلسلٍ منطقي من الأسباب ضمن سلسلة واحدة متصلة. المؤمنون بالله يقولون إنه قضاء الله وقدره، مكتوبٌ سلفاً، لا يمكن تغييره، ولكنهم يصطدمون بالسؤال الأزلي، إن كان هذا مكتوباً لي سلفاً فلمَ يعذبني الله على أمرٍ ليس بيدي تغييره؟ أين العدل! بينما غير المؤمنين يقولون إنها الطبيعة، قوانين الكون، هي من أوجدت الحتمية، ويصطدمون بحاجز السبب صفر، ما هو ذلك السبب الذي لم يأت من أي سبب؟ ونتج عنه السلسلة التي أوجدت جميع الأسباب. يجيبهم المؤمنون، السبب صفر ليس سبباً ولا مسبب، ولا حتى نتيجة، هو الله، كان موجوداً وسيبقى موجوداً، وفهم طبيعته ليس ضمن حدود عقلنا، فهو لا طبيعة له أصلاً. ويتهمهم غير المؤمنين، بأن عدم قدرتهم على فهم طبيعة السبب صفر أو معرفته، جعلتهم يوجدون فكرة الله من بنات أفكارهم، ليريحوا أنفسهم عناء البحث. الخلاف كله قائمٌ على السبب صفر، مع افتراض أن الحتمية هي سلسلة كُتبت علينا، لا يمكننا تغييرها، ولا سلطة لنا عليها، لكن ماذا لو كانت الحتمية مكتوبة علينا فعلاً، ونحن من كتبناها بالأساس، أو ربما نحن من يكتبها الآن. هل قرأت عن قانون الجذب من قبل؟ يقول المؤمنون به، أن الإنسان لديه ما يشبه قنوات البث، والاستقبال، وقنواته هذه تبث أفكاره للكون، ومستقبلاته تستقبل النتائج، يتفاعل معه، فهو جزء منه كما كل شيءٍ آخر، يؤثر ويتأثر، والسيد هنا هو الكون، والسبب هو الإنسان، فأفكاره هي من تقرر تجاوب الكون معه، سيرد له ما يفكر فيه، وسيسعى لتنفيذه له. فإن كنت تبحث عن جوابٍ سؤالٍ حيرك طويلاً، كل ما عليك هو التفكير به، وتخيل أنك ستجد الجواب بطريقةٍ ما، تخيل تلك اللحظة التي تعرفه بها، ثم أترك الأمر للكون، سيأتي لك بالإجابة، طالما أنك تبث الفكرة. وعليه كذلك إن فكرت بشيءٍ تكره وقوعه، فإن أمعنت التفكير به طويلاً، سيحدث لك لا محالة، فالقانون لا يفرق بين الخير والشر، ما تريده وما تكرهه، بل ما تفكر به. بمعنى آخر، العقل اللاواعي هو أرض خصبةٌ، غير مزروعة، والعقل الواعي أو الدماغ، هو آلة بذر البذور، فما تفكر به هو نوع البذور التي سوف تبذرها في عقلك اللاواعي، وحصادك سيكون نتاج ما زرعته، وكلما فكرت أكثر، فأنت كمن يسقي الأرض ويحرثها ويرعاها، وفي النهاية سيكون الكون هو آلة جني الحصاد، سيجعل أفكارك أمراً واقعاً لك لا محالة. وهذا القانون تم تدعيمه في جميع الأديان، والأعراف. ففي الدين نبهنا الله لضرورة مراقبة أفكارنا جيداً، فيقول في الحديث النبوي الشريف، أنا عند حسن ظني عبدي بي، أي أنك إن أحسنت الظن بالله، فسيكون معك كما تظن، وإحسانك الظن به يعني أن تفكر أنه لن يرسل لك إلا كل خير، ومن ثم سيرسله الله لك فعلاً. في جميع الديانات ستجد نصوصاً كثيرة تقول مثل هذا، رغم أن هذا يتعارض تماماً مع قانون الحتمية في الدين، فالله قد كتب كل شيءٍ سلفاً، فلن يغير إحسانك الظن به من عدمه شيئاً في مصيرك، بل حتى أفكارك نفسها، ومن بينها إحسانك الظن به، هو أمر كتبه عليك سلفاً أما أجدادنا، فقد قالوه من واقع خبراتهم المتوارثة، قالوا أموراً مثل أن الذي يخاف من شيءٍ، سيقع له، لخصوها على شكل أمثلة شعبية، ستجدها في مختلف الثقافات. لكن، ماذا لو كان المؤمنون بهذا القانون يفهمون الأمور من منظور فهم البشر قديماً لحاسة البصر، نحن لا نستقبل الحتمية، والكون لا يصنعها، ولا يتجاوب معنا بما نفكر فيه، ولا يمكننا تغييرها بأفكارنا، فقد سبق لنا أن رسمناها سلفاً، ولا مفر لنا اليوم إلا من حصاد ما زرعنا، حتمية هندسناها دفعةً واحدة، في لحظةٍ واحدة. صمت للحظة ثم أضاف ….. أو لعلنا، نرسم ونهندس الحتمية الآن يا رسلان، ماذا لو لم أكن أنا موجود في هذه الدنيا قبل أن يكون لك حاجةً بي؟ وبطريقة ما أوجدتني أنت، وأعطيتني حياةً كاملة، بذكرياتها، ذكريات تجعلني أشعر أنني عشت أربعين عاماً كاملة، وأُشعِرك بهذا، هندستها أنت لي، وأوجدتني، لأجيبك على جميع الأسئلة التي طالما فكرت بها. وفي حين أشعر أن عمري أربعون عاماً، في الحقيقة هو ثانية واحدة، وربما أقل كثيراً. ماذا لو لم نلتقِ في سوريا من قبل، لو لم تكن أنت هناك كذلك، وما زلت معتكفاً في كوخك فوق التلة، تفكر في الفراغ، والمجهول، وما حدث بعدها؟ ما هو إلا هندسةٌ هندستها ذاتك، لتجاوز سلطة دماغك، لتعلمك بأجوبة كل ما يعصف بك، وهذه الحياة ورقةٌ فارغة، أنت من يهندسها، ويرسمها، خطوةً بخطوة. ولمَ يحدث هذا؟! فماذا عن عقلك الواعي، دماغك، ذلك الذي يريك الحقيقة على هواه، ويتجاهل معطيات الحواس كما يشاء، ويفسرها كما يشاء، يستعبدك، يستعمرك، يهمش ذاتك، وحقيقتك، لينجو بالجسد ويستمتع. وكيف يفعلها! هل أنت بحاجةٍ لأقول لك؟ بعد أن اتفقنا يا صديقي أن العذاب الجسدي، والنفسي، يجعلك تتوهم أموراً غير موجودة، خلافَ حقيقتها، ومن هو الذي يتحكم في نقل الإشارات العصبية للألم؟ من الذي يتحكم بالهرمونات وإفرازها تلك التي تتحكم بحالتك النفسية؟ من هو القادر على تعريضك لأبشعِ أنواع العذاب الجسدي والنفسي، حتى يجعلك تتوهم أن العصفور ورقة، من لديه السلطة الكاملة، لفعل هذا بك؟ فإن كان لي توصيفٌ عندها، فلن يكون أدق من سلاح عقلك اللاواعي، الذي يقاتل به ذلك الشيطان في رأسك، سبيله للإجابة، أوجدني، هندس حياتي كلها، ليتمكن من تجاوز سيطرة دماغك عليك. رسلان صامتاً لا يتفوه بحرفٍ، فكلام أوزجان رغم أنه أقرب للجنون، بل جنونٌ بحت، إلا أنه يلامس شيئاً داخله، شيئاً قابعاً عميقاً في نفسه. بعد صمتٍ طويل قال: ولكن إن كنت صادقاً فيما تقوله، فلمَ حدثت لي كل الأمور التي أكرهها، لمَ فقدت رامان؟ لمَ فقدت أبي؟ حتى العيد لم يأتِ بعد؟ أوزجان: ما هو معنى الأبيض إن لم يوجد الأسود؟ ما هو الفعل إن لم يوجد نقيضه! الأمور كلها تفقد معناها، بل وغاية وجودها، إن لم يوجد نقيضها، فهذه الدنيا كلها مبنية على شيئين لا ثالثٍ لهما، الوجود واللاوجود، الخير والشر، الشيء ونقيضه، إن ذهب الشر من الدنيا، فلا معنى للخير، وإن انتهى الموت فلا معنى للحياة. هل فكرت يوماً كيف ستكون الحياة بلا موت؟ بل هل يصح عندها أن نطلق عليها حياة! نحن لسنا أحياءً يا رسلان، ولا أموات، بل خالدين، لا معنى للحياة ولا الموت عندنا إلا مجازياً، في هذا العالم فقط، وحتى الله قال ذلك، ففي القبور لا نموت، هناك حياة أخرى، نحتفظ بها بوعينا، فالموت هو تعبير مجازي للانتقال من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى، لا أكثر. تقدم نحوه، نظر في عينيه مباشرة: من جعله مخيفٌ هكذا، وجعل له هذه الهالة من الرعب، هو من يدرك أنه فانٍ، لا خلودَ له، ذاك الذي بدون خلاياه، وأنسجته، سيموت، وينتهي، ويصبح كأنه شيئاً لم يكن. رسلان: تريد القول إنك نتاج رغبتي العميقة في إيجاد الإجابات، حسناً، رغبتي أنني أريد عودة أبي، الآن، فوراً. -ليس قبل أن تفهم معنى الصفر، وحقيقته….. أضاف بلا توقف: هل تعلم أن الصفر لم يكن مستخدماً عبر تاريخ البشر كله؟ حتى عام 781 للميلاد، عندما تم تجسيده واستخدامه في المعادلات الحسابية لأول مرة من قبل العالم العربي الخوارزمي مؤسس علم الجبر. أخذت الخوارزميات اسمها منه، وهي معادلات حسابية خوارزمية عليك اتبعها كما هي، وسوف تحصل على النتيجة لا محالة، النتيجة الحتمية. وقبلها عبر عشرات وربما مئات الآلاف من السنين، رفض البشر التعامل مع الصفر. بينما كانت أول إشارةٍ له في الحضارة السومرية، حيث وُجدت نقوشٌ قبل ثلاثة آلاف عام في العراق أشار بها السومريون إلى وجود شيءٍ قبل الواحد رفضوا التعامل معه وتعريفه وإعطاءه أي قيمةٍ أو تأثير، رفضوا اعتباره رقم. جميع هذه الحضارات، بعضها ما زلنا عاجزين عن فك كثيرٍ من شيفراتها، كالحضارة الفرعونية، رفضت التعامل مع الصفر. نراهم أذكياءً كفايةً لبناء الأهرامات بهندستها الإعجازية، وحسابات مدارات النجوم والكواكب بدقةٍ متناهية، ولكنهم أغبياءٌ جداً لعدم تعريف الصفر بطريقة تمكنهم من التعامل معه، واستخدامه في العمليات الحسابية، كم هو غريبٌ هذا حقاً! ولكن في الحقيقة فهم لم يتجاهلوه، بل أعطوه قيمته الحقيقة، ورفضوا بناء حضاراتهم على وهمٍ مجهول غير معلوم، وعلى إطارٍ مرجعيٍ حسابيٍ خاطئ. لقد نظر البشر طوال تاريخهم إلى الصفر على أنه المجهول، رفضوا تعريفه وإدخاله في حساباتهم ومعادلاتهم، ليس لأنه بلا تأثير، بل لأن تأثيره الحقيقي غير معلوم، وبقاؤه مجهولاً أفضل من إعطائه تأثيراً خاطئ. كالإطار المرجعي الخاطئ، إن اعتمدت عليه فستحصل على نتيجةٍ خاطئة لا محالة، وتقع في حتمية الخطأ، وإن تجاهلته تبقى فرصتك بالصواب قائمة. لقد فضل البشر عبر تاريخهم كله تجاهل الصفر، لعدم معرفتهم بتأثيره الحقيقي، بينما نحن بكل بساطة قررنا التعامل معه، بل والاعتماد عليه. فنحن اليوم نبني كل أفكارنا، حضارتنا، برمجياتنا، علوم الرياضات، الفيزياء، كل شيء، على أن 1+0 تساوي واحد، وذلك لحاجتنا لإيجاد تأثيرٍ للصفر حتى تنجح معادلاتنا، وتنجح معها حياتنا، ولكن ماذا لو كان 1+0 تساوي المالانهاية؟ لماذا تجاهلنا الصفر في الجمع، ولم نتجاهله في الضرب؟ 1×0 تساوي صفر، لمَ ليس واحد؟ ما هو السبب؟، أجاب نفسه: لا يوجد سببٌ حتمي، لسنا مجبرين، عاش البشر طوال عصورهم بلا صفر، ولم يعنِ لهم الأمر شيئاً. حتى إننا عندما لم نتمكن من ابتكار أي نتيجة تناسب نظرياتنا لحاصل قسمة الواحد على الصفر، عندها اعترفنا وقلنا مجهول، غير معلوم، وتجاهلناه، ولكننا تجاهلنا معه المنطق القائل بأن ألف دليلٍ لا يثبت أني على صواب، ودليلٌ واحد يثبت أني على خطأ، وعدم عمل جداولنا الرياضية في حالة القسمة، تنسفها كاملة، ومع هذا قررنا المضي قدماً، وبنينا كل شيءٍ على هذا الأساس. لقد فصلنا الجداول الحسابية تفصيلاً على مقاسنا، لتتناسب مع حساباتنا، وبطريقة ما تَفصّل الكون كله من حولنا ليناسب هذه الجداول، على الرغم من الخلل الواضح فيها. ولو قررنا اعتبار أن حاصل ضرب واحد في صفر يساوي واحد بدلاً من صفر، وأعدنا بناء العالم كله بناءً على هذا الأساس، فماذا سيحدث؟ أجاب نفسه: لن يحدث شيء، سوف ننجح كذلك، سيتم إعادة ضبط العالم، برمجياتنا، أفكارنا، تعاملاتنا، وكل شيء من حولنا بناءً على الجداول الحسابية الجديدة. وبعد بضع مئاتٍ من السنين لن يعود بإمكان البشر استيعاب فكرة أن حاصل ضرب واحد في صفر تساوي صفر، بل يجب أن تكون واحداً، والسبب هو أن كل شيءٍ تم بناؤه على هذا الأساس. لقد وقع الخوارزمي في المحظور الذي رفض البشر الوقوع به عبر تاريخهم كله، ليس لغبائهم، ولا لعدم انتباههم إلى وجود رقمٍ هنا له تأثير، بل لأنهم فضلوا عدم التعامل معه نهائياً ما لم يفهموه تماماً، تجاهلوه على أن يبنوا العالم من حولهم على إطارٍ مرجعيٍ خاطئ. لذلك عليك أن تسأل الآن ماذا لو قررنا تغيير الصفر؟ وإعطائه قيمته التي نعلمها يقيناً، وهي المجهول. لا نعرفه، لا نفهمه، وعدم معرفتنا أفضل من بناءِ كل شيءٍ على إطارٍ مرجعي ٍخاطئ حاصل ضرب أي رقم مع صفر تساوي مجهول حاصل جمع أي رقم مع صفر تساوي مجهول حاصل قسمة أي رقم مع صفر تساوي مجهول حاصل طرح أي رقم مع صفر تساوي مجهول هل بدأت تستشعر المصيبة؟! وترى حجم المجهول الذي هو داخل عملياتنا الحسابية وحياتنا كلها، متسللاً لها دون أن نعلم عنه أي شيء! الجلي الواضح، أن الصفر غير قابلٍ ليس للقسمة فقط، بل وللجمع والطرح والضرب، لأنه مجهول، ومهما حاولنا ترقيع الجداول لتناسب الحسابات، تبقى القسمة تكسر ظهرنا، وتقول لنا، أنتم على خطأ. ورغم هذا كله تبقى أقوى قوانا، بطاقتنا الرابحة التي لم تخذلنا يوما، هي قوة التأقلم الإبداعي. فنحن لسنا كالفايروسات، نحل في بيئة نستنزفها ثم ننتقل لغيرها، ولسنا كالحيوانات، ننزل في بيئة ونتأقلم معها ونكيف أنفسنا حسب مقدراتها، بل نتأقلم ونبدع ونحولها من حولنا، وإن لزم الأمر نقلبها رأساً على عقب، نغيرها. ولهذا عندما اصطدمنا بالصفر، أبدعنا وابتكرنا، وقررنا تغيير قانون الكون كله، وجعلنا له تأثيراً افتراضياً من وحي خيالنا، وبنينا العالم على هذا الأساس. والجنون هو أن كل شيءٍ من حولنا يعمل بصورةٍ ممتازة. وما هو أكثر جنوناً، هو أننا ولو قررنا تغيير تأثير الصفر، ليكون حاصل ضرب واحد في صفر تساوي عشرين، فسوف يتم إعادة ضبط كل شيء من حولنا، وسيعمل بصورةٍ ممتازة كذلك. بل لو قررنا تغيير الجداول الحسابية، كلها، سوف يتحور هذا الكون ليناسب تفكيرنا. رسلان: ولكن أليست هذه القوانين مخلوقاً من مخلوقات الله؟ وكلامك هذا يجعلها مخلوقةً على أيدينا! أوزجان: لا، دعنا نبتعد عن كلمة الخلق، فهذه الكلمة محجوزة لله وحده، لأنها تعني إيجاد الشيء من العدم، فما نحن إلا مخلوقات، قدراتنا تنتهي عند العدم، لنستخدم كلمة الإبداع أو الابتكار، فهي مناسبةٌ لنا بالفعل. نعم، نحن من أبدعنا وابتكرنا هذه القوانين، وليس الجداول الحسابية فقط، بل كثيرٌ من الأشياء من حولك. وبصورة أكثر دقة، أنت من أبدعت وابتكرت كونك، حسب شيفرة عقلك الخاصة، التي لا تتشابه مع أي شيفرة عقل آخر. كما الألوان، كل منا يراها بشكل مختلف، لكننا اتفقنا على المفاهيم والتسميات وردود الفعل وطريقة التفاعل، سببها ومسببها، تأثيرها وأثرها. الصفر هو اللاشيء، هو اللون صفر، الزمن صفر، الفكرة صفر، ولكن طالما تمكنا من التفكير فيه، فهذا يعني أن الجواب موجود، لدينا تلك الحاسة القادرة على التقاطه، نحن مصممون لمعرفته، بل وللتعامل معه، لكنها ضاعت بعيداً عبر ملايين السنين من التطور، أو ربما أضاعها عقلنا عامداً متعمداً، أو تجاهل معطياتها، وفي حين نحن نستقبل المعطيات طوال اليوم منها، إلا أنه يتجاهلها ببساطة، تماماً كما يفعل بالأصوات إن أراد ذلك. وعندما تقرر التعامل معه وأنت تجهله، فأنت تماماً كمن يقرر إطلاق رصاصتك على رأس أحدهم، وقد قدرت طوله استناداً على جسمٍ يقف بجواره لا تعلم طوله. رسلان: تريد القول إن كل شيءٍ مبنيٍ من حولنا بالاعتماد على الجداول الحسابية هو خاطئ بناءً على مفهومنا الخاطئ للصفر؟ حتى الزمن؟ أوزجان: نعم، هل بإمكانك تخيل الزمن على أنه شيءٌ منتشرٌ حولك في كل مكان، كالهواء، وليس خطاً مستقيم؟ رسلان: غير منطقي، فالأمس خلفي، والغد أمامي، هو خطٌ مستقيم في اتجاهٍ واحد. أخرج من حقيبته صندوق زجاجي، فيه سائل هلامي، تناثرت خلاله قطعٌ حديديةٌ صغيرة متعددة الألوان، على نحوٍ عشوائي. وضعه على الطاولة بينهما. قال: فكر بالزمن على أنه هكذا … أشار إلى قطعةٍ عشوائية: هنا هذه اللحظة، أنت وأنا الآن، والزمن من حولنا في كل مكان. أشار على قطعةٍ نحو اليمين، هذه اللحظة عندما كنت تنتظر عودة أبيك على التلة. أشار إلى أخرى للوراء، هنا لحظة الغد وأنت في الطائرة إلى إسطنبول. واحدة أخرى، هنا نمشي على الجسر بالأمس. هنا أنت طفلُ تلعب في كركوك. هنا جالسٌ تحت الشجرة تنتظر السيارة. فكر بالكون على أنه هذا الصندوق، والزمن هو السائل الهلامي، كالهواء منتشراً داخله في كل مكان، واللحظات، الأحداث هي الكرات الصغيرة، مبعثرة فيه بعشوائية، هذه الكرة بالأعلى هي العام 1910، وهذه الكرة بالأسفل هي العام 450، وفي اليمين العام 3290، وهناك بعيداً العام 1980. كل الدقائق والثواني والأيام والسنين، كلها منتشرة بشكل فوضوي، عشوائي، أو هكذا يبدو لك على الأقل. نسيجاً وليس نهراً، نسيجٌ يحيط بنا من كل مكان. لا تفكر باللحظات على أنها شيٌء انتهى وانقضى، بل حتمية، ليس لأنها حدثت، أو سوف تحدث، بل لأنها تحدث الآن، كلها تحدث الآن دفعة واحدة. إن تمكنت من تجسيد الزمن في رأسك كما هو حقيقةً، ستعلم أن الماضي لا معنى له، والمستقبل غير موجود، فكل شيءٍ حاضراً في نسيجٍ زمنيٍ واحد. نسيجٍ زمنيٍ في صندوق الكون، وكل الأحداث متناثرة فيه على نحو عشوائيٍ فوضوي، تتحرك وتؤثر وتتأثر بكل شيء فيه، كما ذرات الهواء. أخبرني الآن، أين المستقبل؟ وأين الماضي؟ أجاب نفسه: لا وجود له، لا معنى له. رسلان: نعم ولكن ما زال الحاضر، فحاضري هو حاضر كل ما في الصندوق. أوزجان: نعم، يمكنك افتراضه هكذا، الحاضر فقط، لا ماضي ولا مستقبل، لكن في الحقيقة هو ليس الحاضر، بل المجهول. فالزمن لا وجود له، لقد بات العام صفر، الشهر صفر، اليوم والساعة والثانية صفر، بالتالي الزمن كله بات صفر، والصفر مجهول، وإن تمكنت من الخروج من هذا الصندوق بطريقةٍ أو بأخرى، فسوف ترى كل شيءٍ، دفعةً واحدة. اقترب منه، أو ربما أنت خارجه أصلاً، وقد لا يكون أيٌ من هذا كله موجوداً. ربما هذا الصندوق، بكل ما فيه، هو شيءٌ اختلقه عقلك، أوجده لإمتاع نفسه، وأوجده دفعةً واحدة، لوحة رسمها وانتهى منها، وما خط الزمن الوهمي إلا وسيلته للاستمتاع بها، تماماً كما تتلذذ بشرب كأس عصير موجود كله، تعلم أن الرشفة القادمة لن يتغير طعمها عن التي سبقتها، لكنك تتلذذ به على دفعات. صمت للحظة، ثم أضاف: وتماماً مثل روايةٌ كُتبت أحداثها دفعةً واحدة، تستمتع بقراءتها على صفحات. والآن أجبني، لو كنت في غرفة مظلمة، ولديك الكثير من الوقت، مع القدرة على الابتكار، فهل تفضل البقاء فيها إلى حين موتك، أم اختلاق واقعاً يسليك؟ رسلان: ولكن إن كان هذا العالم كله وهم من خيال عقلي، فما هو أنا وما هو أنت؟ أوزجان: ربما نحن شيءٌ يسبح في المجهول، لا معنى للزمان ولا المكان عندنا، لا وجودَ لهم، وكل هذا الكون الحتمي، السبب والمسبب، هو ابتكارنا نحن، وكل منا ابتكر كونه حسب شيفرته الخاصة، وتفاهمنا على المصطلحات، التسميات، المفاهيم. وإلا كيف يحاسبنا الله على حتميةٍ لا علاقةً لنا بوجودها؟ أجاب نفسه: بل لنا، فنحن من أوجدها أصلاً، نحن من هندس هذه الحتمية. ولهذا فنحن نستحق الحساب عليها. أما الله، فهو ما زال خارج كل هذه الأكوان، وما زالت ماهيتنا سبباً، وقدرتنا على الابتكار لم توجد من اللاشيء، ولا بد أن هناك من أوجدها، أو خلقها من العدم. أضاف: كيف تفسر تصرفات البشر اللامبالية؟ نحن لا نبالي بالموت، رغم كل وهم مخاوفنا منه تلك التي صورها لنا دماغنا، إلا أن ذاتنا تستهتر به، كمن تعلم إنها خالدة، صراعٌ بين الحقيقة والوهم. في الحقيقة لسنا خائفين أصلاً، لو كنا خائفين لما فعلنا أي شيء ذا نفع، لما تزوجنا ولما أنجبنا أطفالاً نحبهم نعلم أنهم سوف يموتون يوماً ما، وسوف يخافون من أعظم مخاوفنا، الموت، ولما رأيت أحداً يفعل شيئاً إلا أنه ينتظر موته القريب وفقط. نحن غير خائفين من الموت، بل نعلم أنه خلاصنا وليس نهايتنا، وإلى حين قدومه فإننا نقاتل، كمن حُكم عليه بالسجن في هذا الجسد، نقاتل دماغنا، ورغبته بالتلذذ، والاستمتاع. في الحقيقة يا رسلان، ربما كثيرٌ من الأشياء الجميلة التي تراها من حولك، هي من صنع دماغك، ونقيضها كذلك، يريد الخير ويرهبك بالشر، يريك الجمال ويخيفك من فقدانه، ولكن ليس كلها، فذاتك تقاتل، وفي بعض الأحيان، يكون هذا من صنع ذاتك في معركتها نحو الحرية. عقلك يريد الاستمتاع، يريك في الفتاة مفاتنها، يسعى ليتلذذ بها، يا لها من فاتنة، ويا لروعة الاستمتاع بها ألف عام، يجعل منها فريسةً ضعيفة، خاضعة بين يديك، تقلبها كما تشاء، وتفعل بها ما تشاء. أما ذاتك، فإنها تقاتل، تقاوم، وأثناء معركتها هذه، تُوجِد النقيض، نقيض الجمال، الذي قد يجعلك تصحو من هذا الوهم. وربما الموت يا رسلان، هو صنيعة ذاتك، في مواجهة وهم عقلك، تصفعك به، لتستعيد وعيك. لو كان الأمر منوطاً بالدماغ فقط، لما أوجد الموت، لأخفاه تماماً، إلا أنك تقاوم يا عزيزي، هناك في داخلك عميقاً، أنت تقاتل. أما الحيوانات، فهي حقاً تخاف الموت، لذلك هي مستسلمة، مدركةً حقيقة عدمها، تعيش ما هو مقدر لها وفقط، فلا ذاتاً داخلها تقاتل، أرادت التجاهل، عدم المعرفة، عدم التفكير، لا تفعل شيء إلا أنها تعيش وفقط. بينما نحن، لا نخاف، لأننا نعلم أن الموت ليس العدم، فما زالت ذاتنا، حقيقتنا، هناك خارج الصندوق، رغم كل الإرهاب والقمع الذي نتعرض له من أدمغتنا. الأمر يشبه قصة نبي الله آدم أب البشرية كلها، كان خارج هذا العالم، ثم هبط إليه عقاباً له على عصيانه للخالق، إلا أنه كان مدركاً تماماً لذاته، وحقيقته، وماهيته، وللذنب الذي أقترفه، والذي استحق عليه هذا العقاب، كان من المستحيل لعقله أن يتمكن منه، ويخدعه، وهكذا مع أبنائه، وأحفاده، فما زال آدم قريباً منهم، سمعوا منه مباشرةً، لكن بعد ذلك؟ بدأت لعبة الشيطان في عقول البشر، ومع كل جيلٍ جديد، ابتعد أكثر عن آدم، تمكن العقل منه، وسيطر عليه الشيطان، حتى أخفى عنا تماماً حقيقتنا، وجعلها تضيع عميقاً، استعبدنا، وبدأ يتلاعب بحواسنا، حتى تلك التي أسميناها الحاسة صفر، بات قادراً على تجاهل جميع معطياتها، دون أن نشعر حتى. رسلان: ماذا تقصد بأن ذاتنا خارج الصندوق؟ أوزجان: حرفياً وليس مجازياً، أنا وأنت لسنا هنا، ذاتنا ليست هنا، فنحن وما حولنا، كل شيء، ليس إلا نتاج معركتها مع العقل، إلى حين يوم عودتها إلى الإله. صمت لبرهةٍ، ثم أضاف: هل تريد رؤية اللحظة صفر يا رسلان؟ -نعم أدار له ظهره، مشى إلى النافذة، أغمض عينيه، تنفس ببطء، فهنا في مثل هذه اللحظةِ تماماً، خسر خديجة إلى الأبد. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الثاني والخمسون. عودة الأميرة December 12, 2022December 13, 2022 أخذت اسمها بعد أن ضاقت قصور إسطنبول بأميراتها، باتت المدينة مكتظة في نظرهم وقتئذٍ، أواخر… Read More الفصل العاشر. كلمة الأمل December 12, 2022December 13, 2022 ألقى به تحت قدمها، هل هذا الخادم مناسب؟ بخبث شيطاني أجابت: نعم مناسبٌ جداً، شكرا… Read More الفصل الثامن والثلاثون. التصنيف والاختزال December 12, 2022December 13, 2022 -سأنجح، لا تقلق -أعلم أنك ستفعل تركه في مطار أضنة، متوجهاً إلى إسطنبول للقاء الشيخ… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الثاني والخمسون. عودة الأميرة December 12, 2022December 13, 2022 أخذت اسمها بعد أن ضاقت قصور إسطنبول بأميراتها، باتت المدينة مكتظة في نظرهم وقتئذٍ، أواخر… Read More
الفصل العاشر. كلمة الأمل December 12, 2022December 13, 2022 ألقى به تحت قدمها، هل هذا الخادم مناسب؟ بخبث شيطاني أجابت: نعم مناسبٌ جداً، شكرا… Read More
الفصل الثامن والثلاثون. التصنيف والاختزال December 12, 2022December 13, 2022 -سأنجح، لا تقلق -أعلم أنك ستفعل تركه في مطار أضنة، متوجهاً إلى إسطنبول للقاء الشيخ… Read More