December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الرابع. نشوة الألم قررت مجموعة من المتطرفين اليهود اقتحام باحة المسجد، وكالعادة وقعت اشتباكات بينهم وبين من يسمون أنفسهم بالمرابطين المقدسيين، مجموعات من أهالي القدس لا يخلون ساحات المسجد الأقصى أبداً، يتبادلون نوبات الحراسة فيما بينهم. وصلا على مقربةٍ من المدخل الشرقي -أمي هناك صدامات! دعينا نعود أدراجنا لم يكد ينتهي من هذه الكلمات، حتى خرج مجموعة من الشبان في الشارع خلفهم، مجموعة أخرى ترشق الجنود بالحجارة أمامهم، امتدت الاشتباكات لخارج الساحة، بدأ الجنود يطلقون قنابل الغاز نحوهم. مسرعين وسط هذا الصخب، يحاولون العودة إلى السيارة، سقطت إحدى قنابل الغاز بجوارهم، وقعت أمه شبه مغشيٍ عليها. -النجدة، النجدة يصرخ نحو الجنود، ولكنهم منشغلين بما هو أهم بالنسبة لهم. احمرت عيناه، لم يعد يرى شيئاً، سالت دموعه، نوبةٌ من السعال الجاف، ضيقٌ في التنفس، أعماه الغاز، حمل أمه وبدأ يسير بلا هدىً، أحس بيدٍ تمسكه، ويدٍ أخرى تساعده في حملها، اقتادهم رجل وفتاة بعيداً. بالكاد كان يستطيع فتح عينيه حين لمح المنازل القديمة، حيٌ قديم، أزقةٌ ضيقة، فجأة توقفوا، وضع شخصٌ ما بين يديه زجاجةً من المياه الغازية، قال له اغسل وجهك بها سريعاً، تحرقه عيناه بشدة، في حين أُسعفت أمه داخل إحدى سيارات الإسعاف المتوقفة. وما إن غسل وجهه بالمياه الغازية حتى بدأت آثار الغاز مسيل الدموع تخف تدريجياً، بدأت تلك الغشاوة تنقشع عن عينيه، تسمر في مكانه، في نقطة طبية ميدانية في وسط حيٍ عربي، يحيط به العرب، وأمه في سيارة إسعافٍ مخصصة لإسعاف المصابين من المرابطين المقدسيين. -لا تخف، سنساعد أمك. علا صوتٌ ذكوريٌ يتحدث الإنجليزية بجواره، نظر إليه والعرق يتصبب منه، لم ينبس ببنت شفة. خرجت الفتاة من سيارة الإسعاف. -إنها بخير، لا تخف، ارتفاعٌ بسيط في ضغط الدم، سببه الغاز والخوف، لقد استعادت وعيها. مد الرجل يده مصافحاً: انا موسى -أهلاً بك وأنا روبرت -لا تبدو من هنا! هل أنت أجنبي؟ -نعم بريطاني، وأمي كذلك ضحك موسى: لا تخف لن نؤذيك حتى إن كنت إسرائيلياً ثم أردف: ما الذي جاء بك إلى هنا؟ تلعثم، تصبب عرقه أكثر… موسى: آه، أنتم يهود؟ روبرت: لالا لسنا يهود صدقني، نحن هنا للسياحة فقط. إلا أن صلوات أمه التي لا تدرك مكانها بعد في داخل سيارة الإسعاف، فضحت كل شيء. التفت إليه: في الحقيقة أمي يهودية نعم، ولكن أرجوك عليك أن تتفهم…. قاطعه موسى: قلت لك يا سيدي لن نؤذيك، ولكن علينا الخروج من الشارع فليس الكل هنا يمكنه تفهم ما أتفهمه أنا. بدأ المصابون يتهافتون باتجاه النقطة الطبية، هناك من هم بحاجة الإسعاف أيضاً، قالت الفتاة: خذهم للبيت فلا أحد هناك، وسألحق بكم مجرد انتهائي هنا. اقتادهم موسى، وقد أدركت الأم مكانها، بقيت صامتةً خائفة، على بعد 100 متر وسط الصخب والهتافات القادمة من باحات المسجد، استداروا نحو اليمين، دخلوا في زقاقٍ صغير، ثم انعطفوا يمناً، وكأنهم عائدين إلى المسجد، وقبل نهاية الزقاق، بيتٌ مقدسيٌ قديم، دخلوه وأغلقوا الباب خلفهم. موسى: تصرفوا كأنكم في منزلكم. وتوجه نحو المطبخ. همست الأم في أذن روبرت: هل نحن مخطوفون؟ أين هاتفي؟ وبدأت تبحث في حقيبتها. روبرت: لا تفعلي شيئاً، لا تحاولي الاتصال بأحد، أنهم ودودون حتى اللحظة، لو أحسوا بشيءٍ أو قرروا أذيتنا فلن يفيدنا اتصالك شيئاً، دعينا نجاريهم فقط. أحضر موسى إبريقاً من الماء ووضعه على الطاولة أمامهم: إنها خطيبتي وهي ممرضة، الناس بحاجتها الآن. روبرت: أتمنى أن تعود بخير، بيتكم جميل -لا ليس بيتنا، هو بيت أهلها وهم خارج المدينة حالياً، أنا من مدينة الخليل وأعيش هناك. -أنت هنا لزيارة أهل خطيبتك؟ قال روبرت بصوت مرتفع في محاولة منه معرفة إن كان موسى من المرابطين في القدس، فهم الأعنف على اليهود من بين الجميع. موسى: نعم، أملك هويةً زرقاء تسمح لي بزيارتهم دون معاناة التصاريح الأمنية وكنت ذاهباً مع خطيبتي للصلاة حين بدأ الصدام. تنهد الصعداء وأراح كتفيه وجسده لأولِ مرةٍ منذ ساعة بدت كأنها قرناً بأكمله، وهكذا فعلت أمه. أزاح وجهه بعيداً عنهم باتجاه النافذة: إنها مدينة السلام، مدينة الأنبياء، ولكنهم يفعلون بها هذا، وأشار بيده نحو دخان الغاز المتصاعد من باحات المسجد. بقي روبرت وأمه صامتين، لا يودان استفزازه، في الحقيقة ودت أمه لو أنها تقول أنتم السبب، إنها لنا، هذه أرضنا الموعودة وأنتم من سرقها قبل ألفٍ وخمسمائة عام. روبرت: سيدي شكراً لك على استضافتنا، هل يمكننا المغادرة فهناك من هو قلق بشأننا بالتأكيد. موسى: يمكنك الاتصال بهم وطمأنتهم، ولكني لا أنصحك بالخروج الآن، انتظر إلى حين هدوء الأوضاع في الخارج. وقد كان محقاً، مدت الأم يدها سريعاً إلى حقيبتها وأخرجت هاتفها، استأذنت: أود الاتصال بزوجي. أشار لها موسى تجاه إحدى الغرف، دخلت وأغلقت الباب. أحس روبرت بالمزيد من الأمان، فهم غير مخطوفين فعلاً، هذا الرجل أنقذهم، فبادره الحديث: لماذا حدث هذا؟ كيف بدأ؟ -مجموعةٌ من اليهود قرروا فجأة اقتحام باحة المسجد، فتصدى لهم المرابطون في ساحاته. -فجأة! ألم يعلنوا عن هذا قبلها؟ فقد جرت العادة أن يعلنوا عن نيتهم! -لا أبداً، حدث كل شيءٍ من باب الصدفة، اعتقد أن بعض المصلين عند حائط البراق قد تحمسوا وقرروا فعل هذا. بدت عليه نظرة من الرفض اللاشعوري، في غمضةِ عينٍ حاول إخفاءها، والسبب هو تسمية موسى لحائط المبكى بالبراق. التقطها موسى وفهمها: لا يهم التسمية يا روبرت، كل شيء بدأ عند كومة الحجارة تلك. ابتسم، فهو يعلم تماماً سبب تسمية المسلمين الحائط بالبراق، بالأمس فقط كانت هذه القصة إحدى فكاهاتهم، عندما تحدثوا عن مخططاتهم لزيارة حائط المبكى، فالمسلمون يقولون إن نبيهم محمد قد سافر في دقائقٍ من مكة في الجزيرة العربية على بعد آلاف الأميال على ظهر شيء يشبه الحمار أرسله له الله، من هناك حتى أورشليم في دقائقٍ معدودة فقط، قام ببعض الطقوس فيها، أمراً يتعلق بالصلاة مع بقية الأنبياء، ثم صعد إلى السماء ثم عاد في نفس الليلة، حكايةٌ مجنونة، وتقول هذه الأسطورة أنه قد ربط دابته في حائط المبكى أو البراق كما يسمونه، أخذ تسميته عندهم من اسم الدابة، البراق. مشتقة من البرق، وفيه دلالة على سرعتها العالية جداً. كذبةٌ مفضوحةٌ من أكاذيب محمد، وعلى الرغم من ذلك صدقوه! العرب المجانين، رجل البرق، هكذا اعتادت أمه تسميته، استهزاءً به وبروايته. موسى: ماذا تعمل أنت؟ روبرت: على مقاعد الدراسة حالياً -حقاً! تبدو كبيراً كفايةً للعمل أليس كذلك؟ ضحك: نعم لقد أنهيت بكالوريوس إدارة الأعمال، وأنا الآن أدرس الفيزياء موسى بحماسة: تقول الفيزياء؟ -نعم، ما الغريب في الأمر؟ -الكثير من الغرائب، هل درست النظرية النسبية لأينشتاين؟ -طبعا، هل أنت مهتمٌ بها؟ -نعم نعم، وكذلك كان نبي الله محمد زمّ عينيه بفضول وهز رأسه مرة واحدة، لم يفهم ما يرمي إليه بالضبط: عفواً هل لك أن توضح؟ ضحك موسى: نحن نقف في أولِ مكانٍ ذُكرت فيه النظرية النسبية، ألا تعلم ذلك! بقي روبرت صامتاً تعلو محياه نظرة من الدهشة! أضاف: بل أن أولَ تطبيقٍ عمليٍ لها عرفناه كان عند كومة الحجارة تلك، وأشار برأسه تجاه حائط البراق. ابتسم روبرت، ماذا يقول هذا المجنون، بدأ يشعر بالخوف. موسى: نعم، هذه الأرض حبلى بالغرائب فلا تتعجب. أنقذته أمه من دهشته، حين مدت رأسها من الباب والهاتف مازال بيدها: أبوك يقول هل بإمكان الرجل أن يوصلنا خارج الحي؟ التفت إليه، فهز موسى رأسه موافقاً. بعد قليل عادت الفتاة: لقد هدأت الأمور قليلاً، إنها فرصتكم للخروج. غادروا المنزل، عبروا أزقةً ضيقة بعيداً عن أعين المتطفلين، حتى وصلوا خارج الحي، ودعهم وأدار ظهره عائداً، حينها ناداه صوت روبرت: انتظر، رجاءً انتظر. التفت إليه: ماذا؟ روبرت: لم تعطني رقم هاتفك، أظن أن عليّ رد الصنيع لك، علينا أن نلتقي. -هذا من دواعي سروري، ربما تزورني في الخليل، إنها مدينةٌ جميلة. قاد سيارته إلى أحد المشافي: لا بد من الاطمئنان على صحتك يا أمي. الأم: نعم هذا جيد، لا أثق بهؤلاء العرب، لعلهم فعلوا شيئاً بي دون علمي. الذهاب إلى مستشفى في القدس؟ فرصة مثالية لتلقين روبرت درساً قديماً متجدداً عن معاناة شعب الله المختار في أرضه، هزت رأسها مستنكرة: لقد استغلوا حاجة أهلها اليهود لإجبارهم على تغيير دينهم! نظر لها بطرف عينه وقد علم مقصدها: ليس وقته يا أمي علينا الاطمئنان عليك. لا مبالية أكملت: كانوا بحاجة للرعاية الطبية، عالجوهم مقابل اعتناقهم للديانة المسيحية. -لحظة، أنت الآن تتحدثين عن أجدادي قال ممازحاً في محاولةٍ لتلطيف الأجواء. الأم: من أعطاهم الحق بدعوة الناس للمسيحية بعد علاجهم مجاناً! لقد أقاموا المستشفيات التبشيرية في كلِ مكان، وخصصوها لليهود، وجعلوا كثيراً منهم يغيرون دينهم مقابل العلاج! روبرت: الأمر ليس هكذا، هم فقط وجدوا حاجةً ولبوها لهم، ثم حاولوا إقناعهم ولم يجبروهم. الأم: لم يجبروهم؟ استغلال لحظةِ حاجتك وضعفك، ثم حشو رأسك بأفكارٍ مسمومة، هل هذا إقناع؟ أدارت وجهها نحو النافذة: ليس إقناع، بل إجبارٌ ناعم، جلدٌ للعقول، تضليلها بقناع الرحمة. في القرن الثامن عشر أقيمت العديد من المشافي التبشيرية في فلسطين والقدس، واحدٌ منها مبناه القديم ليس بعيداً عنهم، المستشفى الإنجليزي التبشيري، أُقيم في الربع اليهودي من البلدة القديمة عام 1844، قبل قيام إسرائيل بقرنٍ من الزمان، على مقربةٍ من كنيسة القيامة، قدم رعاية صحية متطورة في ذلك الوقت مقارنة بباقي المشافي، تخصص في علاج اليهود فقط، والهدف هو إقناعهم لاعتناق الديانة المسيحية، ولهذا أطلق عليه الناس حينها المستشفى اليهودي. رفض الكثير منهم تلقي العلاج فيه، وقاطعوا كل من دخلوه، ورغم هذا لجأ إليه البعض، وبعد موجات من الاحتجاج والاعتراض تم نقل مبناه إلى شارع الأنبياء في عام 1895، وأقيم بجواره مدرسة تبشيرية للبنات، وفي عام 1969 انتقل مجدداً إلى عين كارم تحت مسمى مستشفى هداسا، وحُول مبنى المستشفى القديم إلى مدرسةٍ خاصة، يرتادها أبناء الدبلوماسيين، وتم هدم مبنى مدرسة البنات التبشيرية في شارع الأنبياء وأقيم مكانه فندق، بينما أعيدت باقي المباني لمُلّاكها الأصليين. لطالما كان لها في قصتها درسٌ وعبرة، أو هكذا أرادت أن يكون. -عليك أن تعلم يا بني، أن استغلال حاجة البشر لتغيير قناعاتهم بقناع الرحمة والإنسانية، لا يختلف عن تغيير قناعاتهم بالحديد والنار. فإن كان التبشيريون رحماء وملائكة كما ادعوا، لكان عليهم علاجهم وانتهى، بلا أي محاولاتٍ لإقناعهم لتغيير أي شيء، إن كانت دعوتهم هي الحق لما استغلوا حاجةَ الناس، فما الفارق بين أن أعذبك وألحق بك الألم، ثم أوقفه بعد أن تغير قناعتك، أو إذا لحق بك المرض، أمنع عنك العلاج إن لم تغيرها؟ أجابت نفسها: لا فرق، فالألم في كلتا الحالتين سوف يزول إن غيرت قناعتك، بغض النظر عن سبب زواله. -ولكنهم لم يمنعوه عنهم حتى عندما رفضوا اعتناق المسيحية. -مسكين، لقد جعلوا عقولهم تفهم بطريقةٍ غير مباشرة، أن زوال الألم في اعتناق المسيحية، وأن المسيحية سبب في زواله. التفتت إليه: أنت لا تعلم كم هم خبيثون يا بني ابتسمت، وأضافت: نعم نعم أجدادك، لا تنظر إليّ هكذا. لعل الأم كانت صادقة، فالألم بمختلف أنواعه، الجسدي والنفسي، له سحرٌ ونشوة، لا تعيشها إلا بعد زواله، بل وأن أحد أساليب الاستعباد، وكسب الأتباع، هي بتعريضهم للألم، ثم برفعه عنهم بفضل السيد، وبمكرمة منه، ليصبحوا جميعاً عبيداً عنده، وتحت رهن إشارته. وما الفرق بين أن يكون هذا الألم نتيجة عارضٍ، أو متعمداً؟ فالألمُ واحد، وحلاوةُ ذهابهِ، واحدة، والنتيجة غالباً واحدة. ربما روبرت نفسه بات تحت وقع تأثير نشوة زوال الألم من حيث لا يدري، فقد عاش لتوه تجربة جديدة من نوعها، مخيفة، قنابل الغاز، صدامات دامية، حي عربي، رعب الاختطاف، نقطة طبية، ثم الخلاص، وبر الأمان! بعد برهة من الصمت، التفتت إليه من جديد! فقد انفجر ضاحكاً على نحوٍ مفاجئ. -ما بك؟ -تباً النظرية النسبية! ثم نوبةٌ جديدةٌ من الضحكِ الهستيري Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الواحد والستون. بوابة الإله December 12, 2022December 13, 2022 -هل أنا تحت تأثيرِ مخدرٍ ما؟! لمَ أشعر أن عقلي غير موجود! وكأنني سحابةٌ من… Read More الفصل الثاني عشر. كمين في بغداد December 12, 2022December 13, 2022 دقت الساعة الثالثة، قبضت يداه جهاز اللاسلكي، ينتظر أي أخبارٍ عن القافلة من فرق الاستطلاع…. Read More الفصل التاسع والأربعون. صفر وواحد December 12, 2022December 13, 2022 تاركاً خلف باب الزاوية الصوفية بكل ما فيه من عشوائية ونقاط الإنتروبي، دخل عبر ممرٍ… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الواحد والستون. بوابة الإله December 12, 2022December 13, 2022 -هل أنا تحت تأثيرِ مخدرٍ ما؟! لمَ أشعر أن عقلي غير موجود! وكأنني سحابةٌ من… Read More
الفصل الثاني عشر. كمين في بغداد December 12, 2022December 13, 2022 دقت الساعة الثالثة، قبضت يداه جهاز اللاسلكي، ينتظر أي أخبارٍ عن القافلة من فرق الاستطلاع…. Read More
الفصل التاسع والأربعون. صفر وواحد December 12, 2022December 13, 2022 تاركاً خلف باب الزاوية الصوفية بكل ما فيه من عشوائية ونقاط الإنتروبي، دخل عبر ممرٍ… Read More