December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الثاني عشر. كمين في بغداد دقت الساعة الثالثة، قبضت يداه جهاز اللاسلكي، ينتظر أي أخبارٍ عن القافلة من فرق الاستطلاع. نصف ساعة كاملة مرت بلا أية حركة! بدأ الجميع يتوتر، فقد تجاوزت الساعة الثالثة والنصف عصراً دون أي أثرٍ لها! أتى صوت قائد العمليات عبر الجهاز: تسربٌ في المعلومات، باتوا يعلمون، القافلة سلكت طريقاً آخر! ماذا؟ انهمرت الدموع من عينيه، تسرب معلومات؟ تعب شهران ذهب سدىً، كل هذا الانتظار، كيف! همس له مصطفى وقد اتخذ وضعية القنص وتأهب: اهدأ يا رسلان. بدأ يمسح المنطقة بمنظاره، ثم التفت نحوه: إن كان هناك تسربُ معلومات، فهل تعتقد أن الجيش الأمريكي سيتركنا نخرج من هنا سالمين؟ تجمد الدم في عروقه، هل أصبحنا نحن الآن في كمين؟ مصطفى وعيناه في منظاره: إنهم هم، أقسم بذلك، حذرته، قلت له لا تفعلها، لكنه لم يطعني. رسلان: من تقصد؟ مصطفى: قبل ثلاثة أيام أحصينا الذخائر، كان لدينا نقصٌ بقذائف الآر بي جي، أردنا المزيد، قرر قائد العمليات طلبها من أحد التنظيمات المتطرفة، نبهته، قلت له وضعهم مريب. رسلان: مريب؟ لماذا؟ مصطفى: أغلب قادتهم من ضباط المخابرات العراقية السابقة، من أمعنوا إرهاباً وتعذيباً بنا وبشعب العراق، معظم عملياتهم في الأسواق بين المدنيين، وبستار الدين، يعززون النعرات الطائفية بين العراقيين، هدفهم تنفير الناس من المقاومة، تمزيق النسيج الاجتماعي، تعزيز القتال الطائفي الداخلي، يتسببون بصناعةِ أعداء لنا من بني جلدتنا، يحرفون البوصلة عن قتال المحتل، تمويلهم ضخم، يحتكرون السلاح، القذائف، لا أحد يعلم من أين يأتون بكل هذا. صمت للحظة ثم أكمل… طلب منهم القذائف، ولكنهم رفضوا، رفضوا إعطاءنا طلقة واحدة ما لم يعلموا أين سنستخدمها! رسلان: هل أخبرهم بالخطة؟ مصطفى: كلا، كان بحاجة للقذائف، قال لهم فقط أننا سنستهدف رتلاً أمريكيا في حي المنصور. تنهد ثم أضاف وقد احمرّ وجهه غضباً: نبهته، لقد نبهته، قلت له لا نريدها، نكتفي بالعبوات الناسفة وبما لدينا من قذائف، ولكنه أصر على المزيد. قاطعهم صوت قائد العمليات يهمس عبر جهاز اللاسلكي: طائراتُ استطلاعٍ فوق المنطقة، كونوا حذرين، لا تأتوا بأي حركة، ابقوا التنسيق عبر أجهزة اللاسلكي في إطار الضرورة فقط، في الليل انسحبوا من مواقعكم في صمتٍ على دفعات. مرت الدقائق تحبس الأنفاس، نظر إلى ساعته، الرابعة عصراً، لا يمكنهم الانسحاب قبل ثلاثِ ساعاتٍ على الأقل، وفجأة سمعوا صوت صفير يعرفونه جيداً، استمر أقل من ثانية، ثم دوي انفجار على بعد 100 متر منهم، صاروخ استقر في مبنى تواجدت به مجموعة الاقتحام الأولى، شاهدتهم طائرة الاستطلاع. من المعروف أنك لن تسمع صوت الطلقة التي ستقتلك، فصوت المقذوف مهما كان نوعه يذهب عكس الاتجاه وحوله، فإذا توجه صاروخٌ نحوك مباشرة، فلن تسمع له صوت أبداً، كالأفعى تلدغك في صمتٍ مطبق، أما إذا سمعته لثانية فهو غالباً سوف يسقط على بعد 30-100 متر، ثانيتين 100-200 متر، وكلما زادت مدة سماعك لصوت صفيره، بعُد سقوطه. بعد أقل من نصف دقيقة، صوت صفيرٍ آخر، استمر ل 3 ثوان، سقط في مبنى تمركزت به فرقة الاقتحام الثانية، كان مقرراً لها أن تضرب منتصف القافلة، وبعد ثواني قليلة، صفير آخر، لوقتٍ أطول، ضرب فرقة الاقتحام الثالثة. كانت طائرات الاستطلاع تراقب طوال الوقت. تجمدت عين رسلان حيث الدخان يتصاعد من مبنى مجموعة الاقتحام الأولى، رامان هناك. تيبس أصبع مصطفى على الزناد، وذرفت عيناه الدموع، لم يعد قادراً على الرؤية، غمامة الدموع أعمته، لحظة، وتذكر أن عمله فوق كل شيء، فوق العلاقات الشخصية، صحته النفسية، وحتى هو نفسه، مسحها، ومضى يكمل ما كان يفعل. بعد دقائقٍ قليلة من وابل الصفير المتتالي، عجّت المنطقة بسيارات الهمر الأمريكية، وصلت فرق اقتحامهم، للإجهاز على من تبقى، وأسر من يمكنهم أسره. الجنود يقتربون بحذرٍ من المباني، ثم فجأة دوى صوتُ رشاشات الكلاشينكوف، تبادلٌ لإطلاق النار ليس بعيداً عنهم، النقاط الثلاثة، إنها تقاتل، إنهم يقاومون. أخرج منديلاً وأخذ يمسح دموع أخيه، ركز أرجوك، الآن دورك، الآن دورك يا بطل. ضمها لصدره بشغف، ارتخت بين يديه مستسلمة، شفتاه بالكاد تلامس رقبتها، أنفاسه تؤجج لهب شوقها، شهوة في داخلها تترقب، حرك إصبعه برفق، غمز خصرها، تأوهت، مطلقة قبلة استقرت في رأس الجندي الأول. أعطاها قبلةً على رقبتها، معشوقتي، اليوم يومنا يا حبيبتي، لا تخذليني… ولم تفعل. قبلةً ثانية، ثالثة، رابعة، خامسة، انهالت قبلات المعشوقات الثلاثة على الجنود المقتحمين من كل حدب وصوب. علت أصوات التكبيرات على أجهزة اللاسلكي، زادت حدة الاشتباك، وزادت حرارة القبلات، تراجع الجنود للخلف مبتعدين عن المقاتلين المحاصرين، احتموا بين الأبنية، وتركوا طائرات الاستطلاع تحاول كشف القناصين. صوت من جهاز اللاسلكي، مقاتلٌ من مجموعة الاقتحام الأولى، يصرخ: مصطفى ماذا تفعل، مصطفى توقف، توقف أنت تطلق علينا مباشرةً. ماذا؟ تجمد مكانه، دون أي حركة، نظر إلى رسلان، ثم نظر الاثنان سوياً نحو السقف. إنه فوقنا، قناصٌ أمريكي، فوقنا تماماً. الآن جاء دور حامي المحيط، قال رسلان. حمل سلاحه من نوع كلاشينكوف، فتح باب الشقة بحذر، الدرج على يمينه مباشرةً، صعد ببطيء، وصل باب الشقة العلوية، تصميم هذه الشقة مطابقٌ لتصميم الشقة بالأسفل، لا بد أنه متمركزٌ في نفس الغرفة التي كنا بها، إنها مقابل الباب مباشرةً، بينهما صالة صغيرة، لو أغلق باب غرفته فلن أتمكن من رؤيته، ماذا عن حامي محيطه؟ كَسر الباب وإطلاق النار ليس الخيار الأمثل، لا بد من فتحه واستكشاف الوضع أولاً، وقف جانباً، آخذ نفساً، مد يده لمقبض الباب آملاً ألا يكون موصداً، فتحه، أخرج النفس ببطيء، أمسك سلاحه بكلتا يديه، أحنى ظهره قليلاً، اتخذ وضعية الاقتحام، مد رأسه بحذر، أمامه مباشرة في الغرفة منبطحٌ على قناصته، منشغلاً بالرمي على المقاتلين. أين حامي المحيط؟ نظر في أرجاء الصالة، لا أثر لأحد، قرر سريعاً، أقتل القناص، ولنرى أمر الحامي بعدها، أشهر السلاح أمامه، ألقى حمله على قدمه اليسرى، وأطلق وابل من الرصاصات استقرت في ظهره، وجمجمته. أوه شت، صوتٌ صرخ اللعنة من زاوية الغرفة المخفية، إنه حامي المحيط، تقدم رسلان مسرعاً، الصوت من الزاوية اليسرى، تقدم نحو الباب، بخفة، وبلمح البصر، دفع نفسه على الأرض، وترك قوةَ دفعه تسحبه لداخل الغرفة، سلاحه موجه لزاويتها اليسرى، وابلٌ آخر من الرصاص. جلس على ركبته، ثنى قدمه الثانية، ضرب بكعب بندقيته بقوة على الأرض ثلاثَ مرات، هذه العلامة المتفق عليها مع مصطفى، إذا سمعت الرصاص ولم تسمعها فقد تمكنوا مني يا أخي والملتقى الجنة، وإذا سمعتها، فقد انتهت مهمة حامي المحيط، وبدأت مهمة قناص الرافدين. تكومت على بعد متر منه جثة هامدة فوق قناصة من نوع DM/S-R (bolt action designated sniper rifle) مزودة بكاتم صوت. أزاح الجثة جانباً، اتخذ وضعية القنص، عينه في المنظار، أين بقيتكم؟ وجهه نحو المبنى حيث رفاقه، تدمر نصفه بالكامل، والنصف الآخر احتمى فيه من نجى من القصف. حسناً يا صغيرتي، أنتِ ملكي الآن، أغمض عينيه، سنواتٌ من التركيزِ في الفراغ، التأمل في اللاشيء، إن كان لها نفع فهو الآن، لا ترى بعينك بل بقلبك. أين يمكن أن تكونوا مختبئين، لمعت الفكرة في رأسه، تواجد هذا القناص هنا في الطابق العلوي، لن يضعوا قناصين في طرف واحد، موضعه هذا مثالي لكشف المبنى، لا بد من وجود قناصٍ أخر، في الطرف المقابل، في مكان ما مقابله تماماً حيث يمكنه كشف الناحية الأخرى من المبنى بالكامل، حرك منظاره، لليمين قليلاً، هناك، أعلم أنك هناك، موضعُك مثالي، وجه منظاره على نافذةٍ انسدل فوقها ستار رمادي اللون، باقي النوافذ بلا ستائر مغلقة، نعم، علامةٌ على وجود قناص. تذكر، فريستك تراهن على نفاذ صبرك، اصبر، لو تطلب الأمر يوماً كاملاً. لقد انسحب الجنود للخلف، مختبئٌ خلف ستارته بعلمه بوجود قناصتنا، أنت هناك، سوف تظهر رأسك بمجرد عودتهم للاقتحام، أعلم ذلك، لا بد أنك هناك، مكانكَ مثالي. مرت دقائقٌ، عاد القصف من جديد، صوتُ صفيرٍ لثانية وثانيتين وثلاثة، اشتباكات عنيفة على الأرض، وعيناه لم تتزحزح عن منظاره، يهمس، سوف تظهر رأسك، هيا تشجع، أصدقائك بحاجتك. لمحت عيناه طرف الستارة يتحرك، هذا أنت، بندقية خلفها رأس ينتظر قبلة. أخذ نفساً…. كتمه. في سبيل الله قد خاض الغمار ورأى الصمت أمام الظلم عار حمل القناصة كي يحمي الثمار ورمى الغاصب ناراً، وشرر أطلقت قبلتها، في منتصف الهدف. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الرابع والأربعون. لعبة المحترفين December 12, 2022December 13, 2022 برنامج المحادثات الهدهد: مرحباً، أمرٌ غريبٌ حدث. سوفش: أهلاً، ما هو؟ -كلمني روبرت هاتفياً، يريد… Read More الفصل الثامن. ابن الفراغ December 12, 2022December 13, 2022 بين الأشجار الشاهقة جلس تائهاً، مكسوراً، وحيداً من جديد، بين عدد من المهاجرين الغير شرعيين،… Read More الفصل الثاني والخمسون. عودة الأميرة December 12, 2022December 13, 2022 أخذت اسمها بعد أن ضاقت قصور إسطنبول بأميراتها، باتت المدينة مكتظة في نظرهم وقتئذٍ، أواخر… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الرابع والأربعون. لعبة المحترفين December 12, 2022December 13, 2022 برنامج المحادثات الهدهد: مرحباً، أمرٌ غريبٌ حدث. سوفش: أهلاً، ما هو؟ -كلمني روبرت هاتفياً، يريد… Read More
الفصل الثامن. ابن الفراغ December 12, 2022December 13, 2022 بين الأشجار الشاهقة جلس تائهاً، مكسوراً، وحيداً من جديد، بين عدد من المهاجرين الغير شرعيين،… Read More
الفصل الثاني والخمسون. عودة الأميرة December 12, 2022December 13, 2022 أخذت اسمها بعد أن ضاقت قصور إسطنبول بأميراتها، باتت المدينة مكتظة في نظرهم وقتئذٍ، أواخر… Read More