December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الرابع والعشرون. الضابط هيلموت بعد أشهرٍ على افتتاحه أمام حركة الطيران التجاري، هبطت طائرة إير فرانس في مطار تيغيل في الشطر الغربي من برلين ربيع عام 1960، على متنها شابٌ بولندي أتم لتوه عامه ال 27. على الرغم من الحدود الطويلة بين البلدين، إلا أن مشكلتها الوحيدة هو أن الشطر الآخر من خط أودر-نايسه الحدودي بين بولندا وألمانيا تحت سيطرة ألمانيا الشرقية، فخيار الطائرة أفضل من التنقل براً بين شطرين متنازعين. أما هيلموت فمشكلته أنه في الشطر الغربي منها. هكذا تمنى روبرت “الجد” على الأقل. لا يوجدُ غيرها، أعجوبة الريف الألماني، عليك الذهاب أولاً إلى برلين ثم القطار إلى ولاية بافاريا، ومن هناك اسأل عن شونغآو، بلدةٌ صغيرة في منطقة فايلهايم، لن تضل طريقك إليها. قال له بعض اليهود الألمان الذين نجو من بطش النازيين، خلال بحثه عن شونغآو. شابٌ بولندي يعمل في قطاع السياحة، يود الاستثمار في مطعمه الخاص، هذا غطاءهُ الذي سيعطيه حرية الحركة، والإقامة وقتاً كافياً بدون إثارة أي شبهاتٍ حوله. وليكتمل الغطاء، لا بد من المضي به خطوةً بخطوة، فالقفزات الكبيرة تضعفه، والذهاب من برلين إلى شونغآو مباشرة، يعني أنه قادمٌ لمكان محدد يعرفه سلفاً. لا أحد يهتم لشأنه، ولكنه عاش الدور تماماً، كأن هناك من يتتبعه، لا بد أن تثبتَ أنك جادٌ في استثمارك، لا بد أن يراك تبحث وتنتقل من مكانٍ لآخر. بقي في برلين لبضعةِ أيامٍ، استعان بسماسرة عقارات، شهدوا على مساعيه الحثيثة لفتح مطعمه هنا، ولكن دائماً هناك معوقات، المال لديه لا يكفي، والمنافسة شديدة. انتقل إلى الريف، وكأنه في رحلةٍ سياحية، من منطقة لمنطقة ومن بلدةٍ لأخرى، يحفظ أسماءها، يتنقل بينها، ويسأل عن أفضل خياراته، وبعد أسبوعٍ سمع اسمها لأولِ مرة. نادلة مقهى، نصحته: سيدي، هل ذهبت إلى شونغآو؟ بلدة صغيرة ليست بعيدة من هنا، أظنها خيارٌ مثالي لك. سحرته منذ وقعت عيناه على تلالها، أعجوبةٌ طبيعية، فرصةٌ مثاليةٌ للاستثمار، هنا تماماً سينجح مشروعي. أقام في نزلٍ صغيرٍ في أطراف البلدة، وبدأ يبحث عن عقارٍ مستعيناً بسمسار عقاراتٍ محلي، وصورة هيلموت، لا تفارق ذهنه. البلدة صغيرة، إن كان ما زال هنا، فلا بد أن ألتقيه. مرت الأيام، دون أثرٍ للهدف، يفكرُ بالخروج من قوقعته الأمنية، لا بد أن أسأل، ولكن كيف يمكن السؤال عن ضابطٍ نازي دون إثارة الشبهات. زاد الطين بلة إعلان الموساد الإسرائيلي في 23 أيار 1960، بعد أربعة أيام فقط من وصوله إلى شونغآو، نجاحه في اختطاف أدولف أيخمان، ضابطٌ نازيٌ كبير اختبأ في الأرجنتين، متورطٌ بجرائمَ إبادةٍ جماعية ضد اليهود. الآن تحسس ضباط النازية الهاربين رقابهم، فهناك من يسعى خلفهم، لإنزال العدالة في حقهم. فكر أن عليه اللجوء إلى الموساد، ولكن أحداً هناك لن يتفهم، فلا رغبةً لديه بالانتقام، ولا بالاختطاف، هدفه بسيطٌ جداً، ما أراده هو إعطاء هيلموت جواب السؤال. لمَ أنتم اليهود جبناء؟ ها أنت تعلم أنني سأقتل ابنك، ولكنك لا تحركُ ساكناً؟ سؤالٌ عميق، ولا بد أن يكون الجواب بعمقه. جالسٌ في مقهى صغير، تملكه عجوزٌ في عامها السبعين، تعبت من ويلات الحرب، فقدت ثلاثةً من أبنائها بالإضافة لزوجها. صورة أدولف أيخمان تملأ شاشة التلفاز الصغير مع خبر اعتقاله، صرخت في وجه رجل خمسيني أفقده الخمرُ صوابه، قال شيئاً أثار غضبها. قالت باللغة الألمانية: تباً لكم، أنتم النازيون من تسببتم بكل هذا، ليذهب أيخمان إلى الجحيم. صرخ في وجهها: ماذا تقولين أيتها العجوز الشمطاء! تهافت بعض الرجال، قادوه إلى خارجِ المقهى، لقد أفقده الخمرُ صوابه تماماً، بات يهذي يا سيدتي، سامحيه. نظرات روبرت لا تفارقهم، أراد رؤية وجهه، لم يتمكن، خرج به الرجال سريعاً. صوت العجوز يلاحق المخمور: أمثالك يجب أن يعاقبوا، أنتم متورطون في كلِ ما حدث. كونها بلدة صغيرة لا يعني أن يتستر الناس عليك. صمتت للحظات، ثم استجمعت غضبها، وفجرته: تباً لك يا هيلموت. لم يفهم أي كلمة ألمانية من التي خرجت من شفاههم، إلا أنه يعرف معنى هيلموت تماماً. خفق قلبه، رعشةٌ ارتعدت بين أوصاله، صورٌ متفرقة من طفولته، معسكر الإبادة، دموع تنهمر، صمتٌ مخيف، ضابط يسأل، عينا أبيه تناديه، الأمل يا بني، طابورٌ طويلٌ من أجساد تنتظر حرقها، بنادقٌ تدفعهم، يدٌ تجره بعيد عن المحرقة، حسناءٌ تصرخ في وجهه، مراحيض المعسكر، امرأة غارقة بدمائها، رجل ينتشي فوق جثمانها، سورٌ صغير وطفلٌ يقفز فوقه، غابات، أشجار، عربة ماشية، أبوه بالتبني، جسد شاب يفترش السرير مغمضٌ عينيه يردد، شونغآو، هيلموت. نظر إلى سمسار العقار الجالس بجواره: ما الذي حدث تواً؟ السمسار: دعك منهم يا صديقي، إنها بلدة صغيرة روبرت: أخبرني، تبدو العجوزُ غاضبة اقترب منه السمسار وهمس في أذنه: ذلك الرجل، هو ضابط نازي، ولم يبلغ أحدٌ السلطات عنه، فالبلدة صغيرة وكلنا نعرف بعضنا، لقد قال شيئاً أغضبها، فقدت أبناءها وزوجها بسبب جنون هتلر، إنه مخمور، بالتأكيد دافع عن أيخمان، دعك منهم. عدل جلسته، ثم لمعت فكرةٌ في رأسه، اقترب منه مرةً ثانية: كيف لم أفكر به! روبرت: من تقصد؟ السمسار: هيلموت، يملك عقاراً فارغاً يطلُ على البحيرة مباشرة، موقعه رائع، سوف يعجب السياح، مناسبٌ تماماً للمطعم. أضاف: هل لديك مشكلة في التعامل معه، مع ما عرفته؟ روبرت: لا، أبداً، هذه تجارةٌ يا صديقي، فالعمل لا يعرف العواطف، متى يمكننا رؤية العقار؟ السمسار: سوف أرتب لقاءً في منزله. ارتجف طوال الليل في غرفته وحيداً، انهمرت دموعه، ذكرياتٌ تضرب خناجرها في قلبه، يرتجف ألماً، تطارده عينا طفلةٍ في أحضان أمها، لا تعلم ما سيحل بها، تبكي خوفاً من المجهول، وأمها تتوسل هيلموت، أرجوك دع ابنتي، دعها تعيش. لم نكن مثاليون يا هتلر، إلا أننا كنا بشراً، ولكنكم لم تكونوا يا أبي، ها أنا ذا، لقد حييت، رغم أنف الجلاد. في اليوم التالي، جلس هيلموت مقابله تماماً، بلا بندقية، وطفلٌ في عامه العاشر، يلعب في باحة المنزل. هل هو ابنك؟ سأله روبرت هيلموت: نعم، اسمه ستيفان روبرت: ليس لدي أبناء، لكني أعرف كيف يحب الأب ابنه هيلموت: هو كلُ ما لدي في هذه الدنيا، لا يمكنني تخيلَ مكروهٍ يصيبه، يا له من فتىً رائع نظر روبرت إلى ستيفان: نعم إنه فتىً رائع، وهكذا كنت أنا. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الثامن. ابن الفراغ December 12, 2022December 13, 2022 بين الأشجار الشاهقة جلس تائهاً، مكسوراً، وحيداً من جديد، بين عدد من المهاجرين الغير شرعيين،… Read More فهرس المحتويات December 12, 2022December 25, 2022 الإهداء كلمة الكاتب المقدمة النهاية الفصل الأول. أوراق الشجر الفصل الثاني. مفتاح التطور الفصل الثالث…. Read More الفصل السابع والأربعون. الشك واليقين December 12, 2022December 13, 2022 صوتٌ عريضٌ عبر الخط الآمن: موعد وصول الطائرة إلى إسطنبول في ساعات الفجر، علينا مراجعة… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الثامن. ابن الفراغ December 12, 2022December 13, 2022 بين الأشجار الشاهقة جلس تائهاً، مكسوراً، وحيداً من جديد، بين عدد من المهاجرين الغير شرعيين،… Read More
فهرس المحتويات December 12, 2022December 25, 2022 الإهداء كلمة الكاتب المقدمة النهاية الفصل الأول. أوراق الشجر الفصل الثاني. مفتاح التطور الفصل الثالث…. Read More
الفصل السابع والأربعون. الشك واليقين December 12, 2022December 13, 2022 صوتٌ عريضٌ عبر الخط الآمن: موعد وصول الطائرة إلى إسطنبول في ساعات الفجر، علينا مراجعة… Read More