December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الخامس والستون. الحصن المنيع شق اليخت طريقه عبر بحر مرمرة، باتجاه مضيق البسفور، إلى إسطنبول … لا أعلم لمَ يتوجب العودة إلى ألكس، بينما يتوجب الذهاب إلى مالطا. قال روبرت ممتعضاً. بيبرس: لسببين، الأول أنه في حال عدم عودتك ستدمر حياتها المهنية بالكامل، وهذا ما لا أقبل به، لقد عاهدتها أن أعيدك لها، والثاني، أنها ستكون هدفك القادم، أعرفها جيداً، بذرتها نقية، ومخلصة لقيم العمل النبيلة، ويتوجب عليك أن تكسبها في صفك، ستكون عوناً لك إذا اقتضى الأمر. -وكيف سأعيد البلورة؟ -لا تقلق بهذا الخصوص، اتبع الخطة، وسيكون كل شيء على ما يرام. -لكنني ما زلت لا أفهم كيف تعمل بالضبط؟ ما هي الخوارزميات؟ -هل تعلم ما هو الفرق بين التخاطر الفكري والتقمص العاطفي؟ -نعم، التخاطر هو قراءة الأفكار، والتقمص هو قراءة المشاعر والأحاسيس. -صحيح، هل خطر لك من قبل أن هناك من يتخاطر معك فكرياً دون إرادتك؟ -بعض الأشخاص لديهم هذه الموهبة، أو هكذا يدعون. بيبرس: ليست موهبة، بل معرفة، فالفراسة لم تكن يوماً موهبة، بل خبرة، فكثيرو التنقل والترحال، الاجتماعيون، الذين لديهم نهم للمعلومات، والتفاصيل، هم أصحاب الفراسة، يكتسبونها نتيجة خبراتهم، تجاربهم، كلها تخزن في عقلهم الباطن، وهذا الأخير يعطيهم النتائج على شكلِ أحاسيسٍ مؤكدة، نسميها بالفراسة، أو الموهبة. وبشكل أساسي، فهي تعتمد على البيانات، فلم نسمع ولم نعرف عن صاحب فراسة، كسب موهبته هذه وهو جالسٌ في بيته، بل تميز بها كثيرو السفر والترحال. وكلما كان لديك كم أكبر من البيانات، فأنت قادرٌ على التخاطر مع الهدف، بدقةٍ أكبر، وفي وقتنا هذا فالتخاطر يتم في كل لحظة. مع الثورة التقنية وتطور وتنوع وسائل جمع المعلومات، بطرقٍ عدة ليست مواقع التواصل الاجتماعي أولها ولن تكون آخرها، ومع تطور أجهزة الحاسوب، وقدرتها على معالجة كمياتٍ هائلة من البيانات، وفي وقتٍ مقبولٍ نسبياً، ومع تطور برمجيات الذكاء الاصطناعي، وبرمجيات التعلم الذاتي، فقد أصبحت خصوصيتنا مُنتهكة من العديد من الجهات حول العالم، وليس فقط الأجهزة الاستخباراتية، بل حتى مراكز الدراسات والبحوث، ومؤسسات صُنع القرار. كلها تجمع عدداً مهولاً من البيانات يومياً، ولكل فردٍ في هذا العالم نصيبٌ منها. وهذه البرمجيات، والحاسبات، ستقف لا حول ولا قوة لها، إن جردتها من قاعدةِ بياناتها، التي لا بد من تحديثها باستمرار. أصبح التخاطر متاحاً، وسهلاً، وممكناً، كما لم يكن من قبل، صارت الفراسة إلكترونية بالمعنى الحرفي للكلمة. إلا أن أحاسيسنا، ومشاعرنا، تبقى حصننا المنيع. فلو قررت أن تجعل من حياتك الإلكترونية كلها قصةً مختلقة، تخالف حقيقة ما تشعر به، مثل أن تُعبر عن الفرح حين تشعر بالحزن، سوف تتوقع عنك هذه البرمجيات خلافَ ما تشعر به حقيقةً، سوف تفشل، وكلما كنت ماكراً، مخادعاً في تقمص الحالات، تمكنت من خدعها أكثر، فهي تقف عاجزة تماماً أمام معرفة حقيقة مشاعرك التي لا يعرفها أحدٌ غيرك، كل المطلوب منك هو أن تعبر خلاف ما تشعر به. لقد تم برمجة عشوائية البشر، تلقائيتهم، تلك التي يظنون أنها قراراتهم الحُرة، من قِبل حزمةٍ من العوامل المحيطة بهم، والتي فُرضت عليهم، ومنها المجتمع، البيئة، الظروف، والتربية والتعليم، والتحدي هو أن تتصرف بصورة لا تلقائية ولا عشوائية، وهنا يكمن المعنى الحقيقي للإرادة الحرة. هل يمكنك تخيل ذلك؟ تلقائيتك مبرمجة سلفاً، وقراراتك العشوائية التي تظن أنها منتهى الحُرية، في الحقيقة ليست حرة، وإلى حين تكون قادراً على تخيل هذا والإيمان به فإنك سوف تبقى عبداً للنظام. لتكن حراً عليك أولاً التغلب عليها، عليك التمرد على ما تظن أنها ذاتك الحُرة. صمت للحظة، أخذ نفساً من سيجارته، فما هو على وشك قوله الآن، كاد يصيبه بالجنون الحتمي، قبل بضع سنوات….. -ولكن، هل خطر لك يا روبرت، أن هناك من يمكنه معرفة حقيقة مشاعرك مهما حاولت تزييفها؟! بل ومعرفتها حتى قبل أن تشعر بها أنت؟! لحظة صمت طويلة …. لم يفاجئه ما سمع، لقد فكر به من قبل، هل يمكن توقع مشاعر البشر الخاصة كما الطقس؟! روبرت: نظرية الفوضى، أنت بحاجةٍ لمعرفة جميع الأحداث الكونية، ولشيء يمكنه تحليلها وتوقعها بناءً على تراتبية حدوثها، عدد الأحداث الكونية مرفوعة لقوة عددها، عددٍ مهولٍ من الاحتمالات، نحن لا نعرفها فضلاً عن توقع ما سوف تغدو عليه حسب ترتيب حدوثها، وهذا كله على فرض أن المشاعر البشرية هي كالجاذبية في هذا الكون، مادة يمكن دراستها، وإخضاعها للقوانين، عندها بالتأكيد سوف نتمكن من معرفتها قبل حدوثها، وكأنها حدثت بالفعل. بيبرس: ماذا لو كان هتلر ينوي إكمال حياته مزارعٍ في الريف الألماني، إلا أن هناك من رأى أن الحرب العالمية الثانية ضرورةٌ لا بد منها، فافتعل رفرفة فراشة في مكان ما بعيد، ليصنع وحشاً في ألمانيا؟!، هذا تحديداً ما تقوم به البلورة، قدرتها على احتواء جميع الأحداث الكونية، السابقة والتالية، غير بشرية، إلا أنهم في المقر ألفا علموا كيف يتلاعبون بها من خلال الخوارزميات، وأين عليهم بالضبط منع رفرفة فراشة أو افتعالها، لإحداث التغيير المطلوب، في المكان المطلوب، في الوقت المطلوب. -هل هو هذا ما دفع جدي للتمرد على المقر ألفا؟ -نعم، لقد اكتشف جدك أن المحرقة، الهولوكوست، لم تكن حتمية، على الأقل لم تكن حتمية قبل التغيير، بل هناك من أحدث التغيير، لجعلها حتمية لا مفر منها. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الثاني. مفتاح التطور December 12, 2022December 13, 2022 على ضفاف نهر البسفور في إسطنبول، يتلألأ متحف التوب كابي، بجوار كنسية أيا صوفيا وعلى… Read More المقدمة December 12, 2022 بحث عنه البشر عبر آلاف السنين من تاريخهم، وقد أجابوا عليه كلَ مرة، على الرغم… Read More الفصل السابع والأربعون. الشك واليقين December 12, 2022December 13, 2022 صوتٌ عريضٌ عبر الخط الآمن: موعد وصول الطائرة إلى إسطنبول في ساعات الفجر، علينا مراجعة… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الثاني. مفتاح التطور December 12, 2022December 13, 2022 على ضفاف نهر البسفور في إسطنبول، يتلألأ متحف التوب كابي، بجوار كنسية أيا صوفيا وعلى… Read More
المقدمة December 12, 2022 بحث عنه البشر عبر آلاف السنين من تاريخهم، وقد أجابوا عليه كلَ مرة، على الرغم… Read More
الفصل السابع والأربعون. الشك واليقين December 12, 2022December 13, 2022 صوتٌ عريضٌ عبر الخط الآمن: موعد وصول الطائرة إلى إسطنبول في ساعات الفجر، علينا مراجعة… Read More