December 12, 2022December 13, 2022 الفصل السابع والخمسون. في فراغٍ سحيق مسرعاً خلفها، عائدان إلى البيت حيث التقيا بيبرس. -تباً له، حتى وإن كان يعمل مع جهاتٍ حكومية نافذة، زور الصحف ولوحة الإعلانات ولوحة الميناء، لكن هل السياح كذلك ممثلون أحضرهم ليشاركوه لعبته؟! لماذا نرى نحن فقط في بعض الأحيان التاريخ 2019؟ أين الخيول؟ أين ذهبت الحناطير! اقتربا من المنزل، مازال على بابه، جالساً على كرسيٍ من القصب، أمامه طاولة من القصب، وكرسيان فارغان بانتظارهم، بجواره إبريقا الشاي التركي، واحدٌ فيه ماء والآخر شاي مركز، فوق بعضهما البعض، على نارٍ هادئة، بدا لوهلة وكأنه ذلك العجوز جالسٌ أمام محل كي الملابس مقابل الزاوية الصوفية. الشاي جاهز، تفضلوا، قال لهم بمجرد أن وصلوا عنده. ألكس: ما الذي يحدث؟ بيبرس: قلت لك أنت تظنين أننا في العام الخاطئ، ولم تصدقي. قالها وهو يسكب كؤوس الشاي، وضعها على الطاولة أمامهم. نظر إلى روبرت: إنه تأثيرك، فالزمن يتداخل عندك وعندها، صراع في داخلك، ليس قوياً كفايةً بعد، بالكاد وصل صداه إليها، باتت ترى الزمن كما تراه. بدأ يشعر بالخوف، جحظت عينا روبرت عندما نظر إلى ألكس، طالما كانت واثقةً من نفسها، ومن أن ما يجري له ما هو إلا عمليةُ غسيلٍ دماغٍ متقدمة، لكنها الآن تبدو خائفة مثله، عيناها جاحظتان كذلك، مصفر لونها، يهتز رأسها لا إرادياً، تنظر بذهولٍ إلى بيبرس، نظرات ملؤها الخوف، والصدمة، لا يخرج من بين شفتيها إلا صوت أنفاسها. -هل سبق أن سألت نفسك، عن المجهول؟ -روبرت ما زال محدقاً نحو ألكس كرر بيبرس، بصوت مرتفع: هل سبق أن سألت نفسك عن المجهول؟ نظر إليه، ما الذي تقصده؟ -فكر، يا روبرت، هل كانت هذه اللحظة موجودةٌ سلفاً، حتميةٌ لا مفر منها، أم وُجِدت فقط عندما عشتها أنت؟ ماذا لو كانت جميع الأشياء من حولك، الأشخاص، الكائنات، اللحظات، المعرفة بكل أنواعها، ما تراه وتسمعه، وتشعر به، غير موجودٍ في الحقيقة، ويتواجد لحظياً، بمجرد التفكير به. عندما اشتريت الماء من البائع المتجول قبل ساعة، هل كان موجوداً في هذا العالم؟ أم وُجد فقط عندما رأيته أنت؟ روبرت: لقد كان موجوداً سلفاً، غيري اشتروا منه الماء بالتأكيد. بيبرس: كيف تتأكد؟ كيف تتأكد أن كل شيء تراه، وتسمعه، وتشعر به، كان موجوداً من قبل؟ ما هي فرصة أن يكون هذا العالم كورقةٍ بيضاء، لا شيء عليها، وأثناء حركتك فيه، فأنت من يرسمه، خطوة بخطوة، يمكنك التلاعب به كما تشاء. نظر إلى ألكس: أعتذر لكِ، لكنكِ لستِ موجودةً هنا، أنت وهم خياله، لهذا فهو قادرٌ على التلاعب بزمنك كما يشاء. نظر إليه: كما أنني غير موجود كذلك، كما أنك لست في هذه الجزيرة، كما أن هذا العالم كله، الكون من حولك، صفر، لا شيء، حقيقتان لا ثالث لهما يا روبرت، واحد وصفر، حياة وموت، الشك واليقين، الوجود واللاوجود. اسودت الدنيا من حوله، لا يشعر بجسده، ليس له طبيعة فيزيائية يمكن رؤيتها، أو لمسها، لكنه يشعر بذاته موجودة، وسط ظلام دامس، لا شيء إلا ذاته والفراغ، أراد التحدث، الصراخ، بلا فائدة، لا يمكنه فعل شيء، إلا الإحساس بذاته وفقط. انتابه الهلع، لما أنا أضخم من كل شيءٍ آخر؟! كيف تحملت وجودي في ذلك الجسد الصغير طوال ذلك الوقت؟! أحس بحقيقته، أكبر من كل شيء، من العالم كله، بل كله في داخله، في اللاشيء. مرة أخرى، بلا أي مقدمات، عاد حيث كان، جالساً على كرسيه، ولكن كل شيء من حوله جامداً بلا حراك، ألكس، بيبرس، كل شيء آخر، جامداً تماماً. تيارٌ كهربائي يضرب رأسه، جسده ينتفض، أفاق وكأنه كان في غيبوبة، ما زال في تلك الزاوية الصوفية، رأسه في النافورة، يمد يده خلفه، أعطوني منديلاً، هذه المرة وضع أحدهم بيده منديل، مسح وجهه به، التفت إلى رسلان، ما زال الشيخ حقان، جالسٌ مكانه. دوار في رأسه، وكأن كل ما جرى بعد هذه اللحظة كان حلماً لا حقيقة له. ثم فجأة، تيار كهربائي آخر، جسده ينتفض مجدداً، أفاق في الطائرة بعد 12 ساعة من النوم، وكأن كل شيء حدث بعدها مجرد حلمٍ لا حقيقة له، نتاشا بجواره، يعرفها جيداً، أول ما تبادر له سؤالها عن اسمها. -سيدتي، هل اسمك نتاشا؟ -نعم كيف عرفت؟ ثم، تيار كهربائي آخر، وجد نفسه وسط الصخب في القدس، قنابل الغاز المسيل للدموع، يمسك بيده يد روبرت يقوده بعيداً. ماذا؟! لماذا أنا موسى؟! ما الذي حل بي! صرخ بأعلى صوته، بدأ ينهار، ثم فجأة عاد الظلام حوله في كل مكان، لا شيء إلا ذاته والفراغ. صوتٌ من المجهول يحدثه: هذا أنت، لا شيء إلا الفراغ وذاتك، وكل شيء آخر في هذه الدنيا، بكل ما فيها، مجرد وهم اختلقته إلى حين يوم موتك، العالم بكل ما فيه، ليس إلا صنع خيالك، أو خياله، أو خيالها، فلا فرق بينكم، كلكم واحد، كلنا نتاج وهم واحد، هذه هي الحتمية، أنت من صنعتها، وأنت من تتحمل نتائج هندستك لها، وعلى هذا سوف يعاقبك الله، أو يكافئك. ثم فتح عينيه كالمجنون، نائمٌ على سريره في شقته، بهيئة روبرت، بعد ليلته الأولى معها، وكأن كل شيء حدث بعدها كان حلماً لا حقيقة له، إلا أنها ليست بجواره. نادى: كريستين، كريستين. الصوت: لا وجود لها، هل تريدها؟ أوجدها إن أردتها. روبرت لا يسمع إلا صوت أنفاسه وسط سكونٍ مطبق: ما الذي يجري لي؟! أغمض عينيه بقوة، أراد النوم، لعله يعود للواقع من جديد ويخرج من هذا الكابوس، ثم فتحها، فوق تلة منبطح فوق قناصة، أطلق رصاصة في رأس المطرقة، أحس بنفسه يسقط ميتاً من أثر الرصاصة! عاش نشوة الثأر، ونزاع الموت، في نفس اللحظة. ثم فتحها مرة أخرى على وجه ملائكي، نتاشا على سريره في شقته في كامبردج! تنام عاريةً بجواره. جحظت عيناه، تنفس بسرعة، كاد قلبه يتوقف، ينظر إلى يديه، جسده. قفز نحو المرآة، وقف أمامها، تصبب العرق من جبينه، صرخ بصوت عالٍ لماذا أنا بيبرس؟! لحظات من الصمت تلتها، ثم أجابه الصوت: لأنك بيبرس، كلنا واحد، نتاج وهمٍ واحد، لذاتٍ واحدة. دوارٌ عصف في رأسه، ومن جديد، لا شيء إلا ذاته والفراغ، ثم كريستين فوقه على الأريكة، تداعب شعره، أنا ملكك ورهن إشارتك، أحس بنشوة الجماع، نشوة كريستين، ونشوة روبرت في لحظة واحدة، ثم لقطات سريعةٍ من حياته كلها، عشوائية بلا نظام، طفولته، طفولة جده، المحرقة، ثم الفراغ وذاته. الصوت: كيف تضع اللانهاية في النهاية؟ الذات: ماذا؟ الصوت من جديد: كيف تضع اللانهاية في النهاية؟ ليست المرة الأولى التي يسمع بها شيئاً كهذا، لكن أين؟! نعم، في محاضرة حول هندسة الفراكتال، ثورة في علم الهندسة والفن المعماري والفنون الكسيرية، حيث يشبه الجزء الكل، بل إن الكل ما هو إلا جزءٌ واحد، مكرر، إلى المالانهاية. كان السؤال يومها، كيف تضع عدداً لا نهائي من الخطوط، في داخل مثلث دون أن يتقاطع أي خط مع الآخر؟ والجواب في الفراكتال، قم برسم مثلث مقلوب داخل المثلث الأصلي، ثم في المثلثات الصغيرة الداخلية قم برسم مثلثات أصغر مقلوبة، ثم كرر الأمر إلى المالانهاية، ستبقى ترسم عدداً لا نهائية من الخطوط، داخل المثلث الأصلي، ولن يتقاطع أي خط مع خط آخر، ومع الثورة التقنية وعلم الحاسب، صارت رؤية هذا ممكناً، سيستمر البرنامج برسم الخطوط والمثلثات، بلا تقاطعٍ إلى نهاية الزمن. هذا السؤال الذي حيره، كيف يمكن لهذا أن يكون؟! كيف يمكن أن تضع شيئاً لا نهائي، في شيءٍ نهائي. سؤال آخر عصفَ في الأذهان، حطم غرور البشر وإحساسهم بالسيطرة والفهم، ما هو طول الطريق الحقيقي؟ قديماً كان مهندسو المساحة يقيسون طول أي طريقٍ متعرج، من خلال دق مسامير على طول الطريق، ثم مد حبل واحد بينها، ثم قياس طول الحبل، والسبب هو أخذ التعرجات في الطريق بعين الاعتبار، فعند كل منعطف دق مسمار، ثم انحنى بالحبل مع انحناء المنعطف، وهكذا. ولكن الخط المستقيم، غير موجود في الحقيقة، فبين كل منعطف وأخر هناك منعطفات صغيرة قرر المهندس تجاهلها، ولو قلل المسافة بين كل مسمارٍ والذي يليه إلى كيلومتر واحد بدلاً من عشرة، فسوف يزيد طول الحبل، كثيراً، ولو قرر تقليل المسافة أكثر، إلى 100 متر، سيزيد طول الحبل أكثر، ولو قللها ل 10 أمتار، سيزيد. ولكن ماذا عن المسافة بين ذرات التراب نفسها؟ هي غير متلاصقةٍ تماماً، ماذا لو قمنا بدق المسامير بينها؟ وماذا لو قررنا جعل المسافة بالمستوى الذري، أي قمنا بدق المسامير افتراضياً بين الذرات، فالذرات غير متلاصقة، وبينها مسافات، هذه المسافات لا تؤخذ بعين الاعتبار، فلو قررنا احتسابها في طول الطريق، فعندها ستزيد المسافة أكثر وأكثر، بل أن سطح الذرة نفسه غير مستوي، فيه تعرجات، ماذا لو أخذنا هذه التعرجات والانحناءات بعين الاعتبار؟ ماذا عن المستوى دون الذري؟ كلما استمرينا بأخذ المسافات الصغيرة بعين الاعتبار، وعلى محلِ الجد، تلك التفاصيل المهملة، الغير مهمة في نظرنا، سيستمر زيادة طول الحبل أكثر، وهكذا، إلى المالانهاية. بالتالي فطول أي طريقٍ هو لانهائي، طول أي شيء في هذا العالم لا نهائي. أحس بها، انه المالانهاية، ذاته لا نهائية، موجودة داخل عالمٍ نهائي لا وجود له، صنعه هو، أبتكره وهندسه، أحس بذاته تدخل في مثلث، ثم مثلثات أصغر، ثم أصغر، بدا الأمر وكأنه سيستمر إلى ما لا نهاية، بلا توقف. الذات: لمَ أشعر أنني في صندوق فراكتالي يكرر نفسه، لا تتقاطع فيه الأحداث، يعيد رسم نفسه كل مرة داخل نفسه، مدى الدهر. الصوت: لأن الكل، ما هو إلا جزءٌ واحد، يتكرر، ويتكرر، عندما تنظر للأمور من هذه الزاوية، تدرك أن الحجم لا قيمة له، بتاتاً. فجأة، فتح عينيه، جالساً في المنزل في جزيرة الأميرات، أمامه فنجانُ قهوةٍ وكأساً من الماء، كأنه عاد للواقع من جديد، أو ما كان يظنه، لا يقوى على الحركة. نظر إلى الخادم: ما الذي يصيبني؟ تباً لكم ما فعلتم بي؟ ثم تيارٍ كهربائيٍ ضرب رأسه، انتفض جسده ثم لا شيء، إلا ذاتِه والفراغ. Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الثالث والأربعون. الصيد الثمين December 12, 2022December 13, 2022 -لدينا اسم، نتاشا إيفانينكو، أرسلتُ لك تاريخ دخولها ورقم رحلتها، أريد صورتها، فوراً. أضافت: أريد… Read More الفصل السابع عشر. طريقٌ مختصر December 12, 2022December 13, 2022 في الساعة 4:19 فجراً، بالتوقيت المحلي لمدينة نيوجرسي، هبط طائرة Boeing 787 على مدرج مطار… Read More الفصل الرابع والعشرون. الضابط هيلموت December 12, 2022December 13, 2022 بعد أشهرٍ على افتتاحه أمام حركة الطيران التجاري، هبطت طائرة إير فرانس في مطار تيغيل… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الثالث والأربعون. الصيد الثمين December 12, 2022December 13, 2022 -لدينا اسم، نتاشا إيفانينكو، أرسلتُ لك تاريخ دخولها ورقم رحلتها، أريد صورتها، فوراً. أضافت: أريد… Read More
الفصل السابع عشر. طريقٌ مختصر December 12, 2022December 13, 2022 في الساعة 4:19 فجراً، بالتوقيت المحلي لمدينة نيوجرسي، هبط طائرة Boeing 787 على مدرج مطار… Read More
الفصل الرابع والعشرون. الضابط هيلموت December 12, 2022December 13, 2022 بعد أشهرٍ على افتتاحه أمام حركة الطيران التجاري، هبطت طائرة إير فرانس في مطار تيغيل… Read More