December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الثامن والثلاثون. التصنيف والاختزال -سأنجح، لا تقلق -أعلم أنك ستفعل تركه في مطار أضنة، متوجهاً إلى إسطنبول للقاء الشيخ حقان، وغادر صالة المطار إلى الفندق. في جناح كبارِ الشخصيات الصوت: لم تفشل هذه المرة، تمكنت منه، هنيئاً لك. أضاف: ماذا أنت فاعلٌ مع حرس الحدود الذين أحضروه لأنطاكيا؟ أوزجان: ليسوا من طرفي، بل من طرف المهرب، أعطيته المال المتفق عليه، وهو يتقاسمه معهم. أضاف: الحارس الشخصي، أحسنت اختياره، لغته العربية جيدة، أعطيته أمواله وأموال موظف الهجرة، وصرفته. -والشيخ حقان؟ ماذا إن عارض توجهات الحكومة التركية أمامه، أفكاره متطرفة بهذا الخصوص، ألن يجعله هذا يشك برواية عملك مع المخابرات؟ -لن يشك، تركيا بلدٌ ديمقراطي، حرية التعبير مكفولة للجميع، وهو يعلم هذا جيداً، فضلاً عن أنني حذرته من أن لا أحد في إسطنبول يعلم حقيقة من أكون. أشعل سيجارة، نفخ دخانها نحو السقف: نحن أبناء الظلال، فيها ولدنا، وفيها نموت. -هل ستختزله معهم؟ -لا، رسلان لا علاقةً له بهم، سيكون جزءاً منا، سأدعه يكمل معنا -لا تتهرب، أنت تعلم أنني لا أتحدث عنه تنهد، وبعد لحظة صمت، قال: لا أعلم بعد، أتمنى ألا أختزله التصنيف ثم الاختزال، سلاح العقل الأقوى ضد الضمير، فإن أراد أن يريح ضميرك لقتل الأبرياء، صنفهم ضمن مجموعةٍ وأدرج معهم من يستحق الموت في نظره، ثم يختزل كل التفاصيل الصغيرة في عموميات، ويتجاهلها، ولن يعدم حيلة، ليجعل مقتل الأطفال والنساء ضرورةٌ لا مناص منها، نحو غايةٍ أسمى، وعالم أفضل. هكذا بدأت قصة بيبرس نفسه، قبل قرابة العشرين عاماً، عندما قررت جماعاتٌ متشددة تصنيف الشعب الأمريكي كله على أنه جماعةٌ واحدة، متجاهلين أن عدد المسلمين الذين قُتلوا على يد المسلمين أنفسهم أضعافِ من قتل بسبب السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، ثم قرر أن نهاية خصومهم في تدمير برجي التجارة العالميين في مانهاتن. اختزلت عقولهم كل التفاصيل، طفلٌ يلعب في مكتب أبيه، طفلةٌ تنتظر عودة أمها، زوجةٌ في الطائرة تتلهف للقاءِ زوجها، لم يتردد ضميرهم لحظةً واحدة في قتل آلاف الأبرياء، في سبيل هدفهم الأسمى. وهكذا فعلت أمريكا نفسها، عندما قررت الثأر لقتلاها، صنفت، اختزلت، وأطلقت الرصاص على الجميع. لم يرَ طياروها الأطفال ولا العوائل في البيوت التي على وشك تدميرها فوق رؤوسهم. وهكذا فعل هتلر، نابليون، هولاكو، وكلُ سفاحٍ عرفته البشرية. يجعل منك كطيار يقود طائرة، يرمي قنبلة فوق المنازل، لا يرى أثر ما فعله على الأرض، ولو حملها بيده ومشى في الشوارع، وشاهد الأطفال، النساء، الأبرياء، من سيسقطون قتلى هذه القنبلة، لما فجرها، ولكنه لا يرى إلا بيوتاً تبدو كعلب كبريت من السماء، صورةٌ عامة، بلا تفاصيل. سلاح الشيطان الأقوى للتحكم بالعقل، أو سلاح العقل الأقوى للتحكم بنا، وفي مرحلةٍ ما، يتمكن منه، لدرجة أنه لم يعد بحاجةٍ لتبرير شيء أو اختزاله أو تصنيفه، اقتل خصومك، وكل ذريتهم، دمرهم، احرقهم، لا تبقي منهم أحد. وبما أن الكثير من العقول هي أدواتٌ بيد الشيطان، يتلاعب بها كما يشاء، وبما أن آليات عمله باتت معروفة له، فقد قرر بيبرس، لمَ لا؟ لمَ لا نجعلها أدوات للخير. استخدم أسلوب الشيطان نفسه، تلاعب بالجميع، وفي بعض الأحيان، اختزل، لكن حسب قوانينه، لا تختزل الأبرياء. ليس خائفاً، فقد اتخذ قراره في الحرب، وكل من اتخذ هذا القرار عليه تحمل تبعات قراره. تمنى لو يعود الزمن ألفاً أو ألفي عام للوراء، ويتجمد هناك، حيث كانت الحروب بين بني الإنسان بالسيوف والنبال، يومها لم يكن يسقط من الأبرياء الكثير، فلا يتواجد في ساحة المعركة إلا جنودٌ اتخذوا قرارهم سلفاً بالحرب، بالقتل، يعلمون أنهم قد يموتون، وتسنى يومها للجميع الوقت والقدرة على التفكير، واتخاذ القرار، وحتى الهرب. بينما اليوم، فأغلب ضحايا الحروب لا يتخذون قراراً بشأنها، يدفعون حياتهم دون أن يسألهم أحدٌ إن كانوا يريدون أن يكونوا جزءاً من هذه الحرب أصلاً، تُقصف المدن وتُدمر فوق رؤوس قاطنيها، وأغلبهم يرفضون هذه الحرب من أساسها. فعندما يفجر أحدهم قنبلة في مجمعٍ تجاري، فهو لا يسأل ضحايا تفجيره عن مواقفهم السياسية، وحتى عن دينهم، وحتى إن كانوا يرغبون بأن يكونوا جزءاً من هذه الحرب، وهكذا تفعل الطائرات، لا تسأل، ولا يتسنى لضحاياهم أي فرصةٍ لاتخاذ القرار. أما هو، بيبرس، فقد اتخذ قراره وهو أن يقاتل دفاعاً عن الذين لم تتسنى لهم الفرصة لاتخاذه. تمنى لو أنه يكمل هذه المهمة، دون أن يضطر لاختزال روبرت الابن، كما اختزل جده. أوزجان: أستميحك عذراً، يتوجب عليّ الاستعداد، سأتوجه إلى أنطاليا الليلة. الصوت: خديجة ليست في أنطاليا، لن يفيدك التسكع على ذاك الطريقُ الجبلي شيئاً، لقد مِتَ هناك مرة بالفعل، لا نريدك ميتاً من جديد. أوزجان: ليس لأجلها، ذاهبٌ لمتابعة فريق العمل، هل تعتقد أن تلك الخدعة انطلت على المقر ألفا؟ الصوت: ما الفرق، لقد أظهرتَ لهم نفسك الآن، المقر ألفا وكل من على علاقةٍ به في جزيرة مالطا يطاردك، لم يعد موتك حقيقة. ما الحقيقة، إلا كذبة مقنعة شعاره الذي عمل به دائماً، لا معنى لها في هذه الدنيا، بل لا وجود لها، فكل شيءٍ نسبي، فما هو بالنسبة لي حقيقةً دامغة قد يكون لغيري مجرد وهم، كلٌ يرى من زاويته، وعلى قدرِ المعطيات التي يستقبلها عقله من البيئة المحيطة به، والنتيجة العقلية المستنبطة من ربط وتحليل هذه المعطيات، هي الحقيقة عندها. فماذا إن امتلكنا القدرة على التلاعب بالمعطيات؟ عندها تصبح الحقيقة بين أيدينا كقطعةٍ من عجين، نشكلها كما نشاء، وفي بعض الأحيان، من فرط إتقان الكذبة، عندما تطل الحقيقة برأسها، فلا أحدَ يصدقها. وإن كانت الحقيقة تناسب رغبات وتوجهات العقل، فعندها صار عوناً لك على صاحبه، جنديٌ مخلصٌ مطيع بين يديك، وكلما جلدته بالكثير من التفاصيل، قرر تجاهلها، وتحت الضغط سوف يسد الثغرات بالرواية المختلقة من تلقاء نفسه. إحسان الظن، سوء الفهم، الأمر معقد، النسيان، الثقة، كلها أدواتٍ وتبريراتٍ لسد هذه الثغرات، حينها يدرك أن خلاصه من هذا العذاب بتصديق عمومياتِ ما يرى، وتكون النتيجة المستخلصة، النهائية، هي الحقيقة. ولكن قبل مواجهة الشيطان بسلاحهِ الأعظم، لا بد لك أن تجلد عقلك بدايةً، تطوعه تحت إمرتك، عندها ستكون قادراً على حَبك أعظم حقيقة، غير قابلة للنقد، ولا الإنكار من الزاوية التي يراها الضحية. ورجال المخابرات المحترفين فقط، هم من يعيشون الحالة كما هي، لا يستخدمون صلاحياتهم، ولا يكشفون أنفسهم، حتى لأقرب المقربين لهم. تاريخه في التنظيمات الوظيفية، شركته، الموقع الإلكتروني، المهرب، حرس الحدود، الحارس الشخصي المستأجر، هوية اللجوء، الفندق الفخم … كلها من زاويةِ رسلان دليلٌ على كونه رجل مخابرات ومن زاويةِ من راقب محادثاته مع المهرب، مخادعٌ يلعب لعبة. ومن زاويةِ من رآه يدفع المال للحارس، رجلَ عصابات ومن زاويةِ من رآه في مكتب شركته في إسطنبول، تاجرَ دراسات وبحوث. ومن زاويِة من رآه يعد أوراق الشجر مع موسى، مجردَ مجنون. ومن رأى المشهد من جميعِ هذه الزوايا مجتمعة، مثل كاترينا، فلن يراه إلا المخلصَ الأمين للخوارزميات، للقيم العميقة للمقر ألفا، المقر الرئيسي في جزيرة مالطا. أما الحقيقة المجردة؟ فلعل رؤيتها تتطلب زاويةً جديدة، خارج خطِ الأرقام الوهمي….. الزاويةُ صفر Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الثلاثون. مجرد أوهام December 12, 2022December 13, 2022 -هل سنلتقي من جديد؟ -طبعا يا أخي، سوف أزورك في إسطنبول مشى نحو بوابة التفتيش… Read More الفصل الثالث والأربعون. الصيد الثمين December 12, 2022December 13, 2022 -لدينا اسم، نتاشا إيفانينكو، أرسلتُ لك تاريخ دخولها ورقم رحلتها، أريد صورتها، فوراً. أضافت: أريد… Read More الفصل السادس والثلاثون. جواب السؤال December 12, 2022December 13, 2022 طفلٌ في عامه العاشر، يلعب في حديقة المنزل، يتطاير شعره الأصفر الحريري خلفه، تقدم نحوه… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الثلاثون. مجرد أوهام December 12, 2022December 13, 2022 -هل سنلتقي من جديد؟ -طبعا يا أخي، سوف أزورك في إسطنبول مشى نحو بوابة التفتيش… Read More
الفصل الثالث والأربعون. الصيد الثمين December 12, 2022December 13, 2022 -لدينا اسم، نتاشا إيفانينكو، أرسلتُ لك تاريخ دخولها ورقم رحلتها، أريد صورتها، فوراً. أضافت: أريد… Read More
الفصل السادس والثلاثون. جواب السؤال December 12, 2022December 13, 2022 طفلٌ في عامه العاشر، يلعب في حديقة المنزل، يتطاير شعره الأصفر الحريري خلفه، تقدم نحوه… Read More