December 12, 2022December 13, 2022 الفصل الخامس والعشرون. الإطار المرجعي أضنة هي رابعُ أكبر مدينة تركية، تحفة معمارية على الطراز العثماني، مدينةٌ حيوية، موقعها الجغرافي جنوباً في سهول كيليكيا على نهر سيحان، النهر الأكبر في تركيا، أعطاها أهمية بالغة، فهي بوابتها مع بلاد العرب. هذه آخر مدينةٍ تركيةٍ كبيرةٍ جنوباً، ثم سلسلة جبال الإسكندرونة وإقليم هاتاي، الذي كان لغاية 1926 جزءاً من ولاية حلب العربية، في عهد الدولة العثمانية. تمشى رسلان على جسر نهر سيحان الحجري العتيق، ليس بعيداً عن الفندق، توقف وجهه جنوباً، نظر إلى مياه النهر تجري تحته في طريقها نحو حوض البحر الأبيض المتوسط. صوت من خلفه: إنه من أقدم الجسور في تركيا والعالم كله. التفت إليه: أهلاً أخي متى رجعت؟ أوزجان: صباحَ اليوم، كيف أمضيت اليومين السابقين؟ رسلان: لا شيء مهم، أتنقل في المدينة، وأنتظرك نظر إلى أرضية الجسر المرصوفة بالحجارة: هذه الحجارة قد رصفت هكذا منذ العهد الروماني، من هنا مرت حضارات، إمبراطوريات، جيوش منتصرة وأخرى تجر أذيال الخيبة، وها نحن نقف فوقها كأنها رصفت الآن. تقدم نحوه: انظر هناك، وأشار بيده إلى الطرف الآخر من الجسر، هل تراه؟ عاملٌ روماني بسيط، يرصف تلك الحجارة. وهناك، أشار بيده إلى الناحية الأخرى من النهر، سوقٌ روماني، يعجُ بالحياة وهناك، رفع رأسه للأعلى، سربٌ من طيور اللقلق المهاجرة يطير جنوباً وهناك، أشار لمياه النهر، صيادٌ رومانيٌ يبحث عن قوت يوم أبنائه هل تراهم؟ رسلان: هذه الدنيا، أمم تذهب وأخرى تأتي، ويبقى الجسر. هل تراهم؟ سأله مجدداً بنبرةٍ جادة رسلان: لا، لا أرى أحداً منهم -متحف السينما القديم قريبٌ من هنا هل قمت بزيارته يا أخي؟ -ليس بعد ما رأيك بزيارته الآن؟ سأله أوزجان، هز رسلان رأسه موافقاً. عبروا الجسر باتجاه حديقة زبيدة هانم القريبة، تمشوا فيها قليلاً، إحدى أجمل الحدائق في المدينة، شربوا القهوة التركية، تبادلوا أحاديثٍ متنوعة، ثم أكملوا طريقهم مشياً إلى المتحف القريب. بناءٌ أبيض بطابقين، زُينت حوافه بقطعٍ خشبية بنية اللون، وصُبغت نوافذه باللون البني، يختص بتاريخ السينما التركية، ملصقات الأفلام القديمة، كاميرات استُخدمت في صناعتها، تماثيلٌ شمعية لممثلين وممثلات أتراك وخاصة من تعود أصولهم لمدينة أضنة. ضحك أوزجان وهم يعبرون بوابة المتحف: لا أحدٌ هنا إلا نحن هل تعلم السبب؟ أجاب نفسه: لا، لم نقم نحن بإفراغه من الناس، بل لأن الدخول مجاني، لو كان على الناس دفعُ ثمن تذكرة الدخول، لاختلفت نظرتهم له، لأحسوا بأهميته، وكلما ارتفع ثمن التذكرة صار أكثرَ أهمية. هكذا يعمل العقل يا رسلان، المقارنة، ليقدر حجم شيءٍ، أو أهميته، لا بد له أن يقارنه بشيء آخر معلوم له، وهنا فالمقارنة التي اعتاد عليها هي مقارنة أهمية المتحف مع سعر تذكرة الدخول. فلو وضعت جسماً في الفراغ، لن يتمكن عقلك من تقدير حجمه ما لم تضع بجانبه شيئاً آخر يعلم حجمه سلفاً، سيتخذ منه إطاراً مرجعياً للقياس، ويقدر حجم الجسم بناء على حجم المرجع. أضاف: لعلك شاهدت هذه الخدعة في مقاطع الفيديو، يصورون مجموعة صغيرة من الحجارة عن قرب، بحيث لا يظهر شيئاً من محيطها، ويضعون بينهم مجسماً صغيراً جداً ويبدو حقيقياً لشاحنة، سوف تراها شاحنة بين مقلعٍ من الصخور، لأن عقلك افترض حجم الشاحنة الضخم، وبناءً عليها ضخّم حجم الحجارة لتصبح صخور. وإن وجد أي خللٍ في المشهد، مثل عود أسنان مرمي بين الحجارة، ستنفضح الخدعة كلها، لأن عقلك يعلم الحجم الحقيقي لعود الأسنان. نظر إلى عينيه مباشرة: ليس صعباً عليك فهم هذا يا رسلان، فأنت قناص. بالفعل هذا معلومٌ له تماماً، فلا بد له قبل إطلاق النار أن يضبط منظار قناصته، بواسطة دواليب صغيرة على جانبيه، واحداً للارتفاع والأخر للعرض، وعملية الضبط تتم على جسمٍ يعرف طوله وعرضه مسبقاً. يقيس ارتفاع خشبة، وعرضها، ويضعها منتصبة ثم يبتعد عنها 100 متر مثلاً، يقيس أبعادها بالمنظار، فقد بات حجمها صغيراً الآن بالنسبة له، يضبطه بناء عليها، ويثبت إعدادات القياس، أصبح الآن سانتي متر واحد عن بعد 100 متر في المنظار يعادل متراً كاملاً، ثم يبتعد 200 متر، ويضبطها من جديد للتحقق، ثم 300 متر، وهكذا إلى أقصى مدى للقناصة. وهكذا تصبح القياسات هي خطوطُ المنظار الأفقية، فعلى بعد 100 متر تصبح المسافة بين كلِ خطٍ والآخر سانتي واحد، وعلى بعد 200، اثنان سانتي، وهكذا. ويمكنه أن يتلاعب بالقياسات كما يريد، فيضبط خط القناصة الواحد على عشرة أو نصف سانتي. وعندما يكون الهدف في مرمى منظاره، عليه أن يقدر طوله، فلو أمكن، انتظره حتى يقف بجوار عامود، أو أي شيءٍ يعرف طوله مسبقاً، وبعد أن يُقدر ارتفاع رأس الهدف عن الأرض، ويقدر المسافة، يضعه بين خطوط المنظار المناسبة، ويطلق الرصاصة، في منتصف الرأس. ولو حدث أن وقف الهدف بجانب جسمٍ يظن القناص أن ارتفاعه متران، في حين هو أقل من هذا، فسوف يُقدر طول الهدف بصورة خاطئة، أطول من اللازم، وتطير الرصاصة من فوق رأسه بعيداً، لذلك في حالة عدم معرفته بطول المرجع، أو لم يكن هناك إطارٌ مرجعي بجوار الهدف، فإنه يقدره وينقص منه قليلاً، فبدلاً من أن تطير الرصاصة فوق رأسه، تستقر في صدره، أو رقبته. فقط المحترفون من يمكنهم وضع الرصاصة في الرأس عن بعد، قليلون جداً، وهو أفضلهم. مشوا عبر أرجاء المتحف، وتوقف أوزجان أمام ملصقٍ على الجدار لفلم تركي قديم. قال: إذاً يمكنني التلاعب بعقلك وجعله يؤمن أن هذا الملصق يستحق السفر خصيصاً لرؤيته، من خلال التلاعب بالإطار المرجعي، وهنا هو سعر التذكرة، تضخيم الإطار المرجعي، يعني تضخيم الصورة التي قام العقل بقياس حجمها استناداً عليه. ولكنهم لا يفعلون، لاعتباراتٍ قومية، ففي هذا النوع من المتاحف الموجه للشعب التركي، يقدموه مجاناً، فمن حق الناس أن يعرفوا تاريخهم مجاناً. انتقل إلى رفٍ وُضِع فيه مجموعةً من الكتب، كلها تتعلق بالسينما التركية، بجواره طاولة وُضِع عليها مجموعةُ أوراقٍ ملونة فارغة، وملصقاتٌ تعريفية. أكمل حديثه: المقارنة، موجودة في كل شيءٍ مادي وغير مادي، عندما تقف أمام رف المكتبة لشراء كتاب حول موضوع ما، فإنك تنظر لاسم الكاتب أولاً، لتقرن جودة طرحه بشهرة كاتبه. عندما تدخل مقهىً، فإنك تنظر للناس فيه، لتقرن أهميته بأهمية الزبائن، أشكالهم، علامة لباسهم التجارية، ساعاتهم. أعرف مقهى في فيينا، لا يسمح لك الدخول إلا إن كنت ترتدي علامات لباس تجارية محددة فقط، وأسعاره باهضةً جداً، رغم أن القهوة فيه سيئة المذاق، ومع هذا فالجميع يراها قهوة ممتازة. وفي مرحلةٍ ما يمكنك المقارنة عكسياً، أي تقدر أهمية الزبائن من اسم المقهى، فهي تعمل بكلا الاتجاهين. فيمكنك تقدير حجم الجسم الكبير من الجسم الصغير، أو العكس، عقلك من يختار الإطار المرجعي المناسب بينهما حسب الصفة التي سيستند عليها بالمقارنة، حجمه، شهرته، جودته، لونه، أمورٌ كثيرة. وعقلك يقرر أيهما الإطار المرجعي بناءً على أكثرهم زخماً في ذاكرته القريبة، فلو أريتك شيئاً باللون الأصفر الآن، ثم وضعت ورقتين بيضاء وصفراء بجوار بعضهم، فسوف يتخذ عقلك الصفراء لمقارنة لون البيضاء بها. ولو أريتك اللون الأصفر طوال ساعة كاملة، ثم أريتك اللون الأبيض لثوانٍ قليلة، ثم وضعت ورقتين صفراء وبيضاء، فسوف يتخذ عقلك كذلك اللون الأصفر مرجعاً، لأنه يفضل دائما أخذ الأكثر زخماً في ذاكرته القريبة. ولكن لو أريتك اللون الأصفر طوال سنة، ثم أرحتك شهراً من رؤية الألوان، ثم أريتك الأبيض مرة واحدة، ثم وضعت الورقتين أمامك، فسوف يتخذ عقلك اللون الأبيض كمرجع، لأن اللون الأصفر قد غاص بعيداً في ذاكرته، والسبب توفير الجهد، فالبحث في الذاكرة القريبة أسهل عليه من البحث في البعيدة. حتى الأفكار يا رسلان، عندما تريد تقييم فكرة، فأنت بحاجة لفكرة أخرى لديك خلفية معرفية عنها لتقارن هذه بتلك، والمعتقدات كذلك، لتقيم جودة معتقدٍ ما، إمكانيةَ إيمانك به، لا بد من مقارنته مع معتقدات أخرى لديك خلفية عنها. فالعقل لا يمكنه إيجاد شيءٍ من العدم، هو يبني خيالاته، أفكاره، معتقداته، على أمور أخرى، لديه قاعدة بيانات عنها، يقارن، يقدر، ثم يتخيل، ويجسد. راقب أفكارك، إن قلت لك فكر بمخلوقٍ أسطوري، يستحيل أن تُوجِد شيئاً لا يشبه شيئاً رأيته أو فكرت فيه من قبل، لا بد أن يستند عقلك على قاعدة بيانات سابقة، ينطلق منها، حتى وإن كانت بقعة ضوءٍ في الفراغ، لا بد له من شيء يبني عليه ليجسد الجديد في رأسك. لهذا فنحن غير قادرون على تخيل شيءٍ أو التفكير في شيءٍ، ليس لدينا خلفيةً عنه، وهذا ينطبق على جميع الأسئلة الوجودية التي يمكنك التفكير بها، كلها لها أصلٌ في داخلك، ربما غاص بعيداً في ذاكرة البشر، لكن طالما أننا قادرون على التفكير فيها، فهذا يعني أن إجاباتها موجودة لا محالة، ويمكننا الوصول لها. ماذا يعني هذا يا رسلان؟ لم ينتظر إجابته وأكمل… هذا يعني أنه لتتمكن من تقدير أي شيء، فأنت لست بحاجة لانعكاس الضوء عنه فقط، بل لإطارٍ مرجعي كذلك، ولا يمكنك تقدير أي شيء بدونه، وأحيانا لا يمكنك رؤيته أو سماعه أو حتى تخيله بدون المرجع. أمسك عن الطاولة ورقة صفراء، قطع منها جزءاً صغيراً، وضعه فوق الكبير، لو لم ترني أفعل هذا لما اكتشفت وجود الصغيرة. فهاتان الورقتان بنفس درجة اللون، لن تراها، ليس لأنها لا تعكس الضوء، أو لأنها بلا لون، بل لعدم وجود إطارٍ مرجعي يمكن للعقل الاستناد عليه للتمييز بينهما. قام بثني الصغيرة ليبرز طرفها: لكن الآن، أصبح لديك إطار مرجعي أخر، هذا الانثناء فضح الأمر. وعدم رؤيتك لشيءٍ عند عدم وجود إطار مرجعي مناسب تستند عليه، لا يعني أنه غير موجود. ابتسم ونظر في عينيه مباشرة: تماماً كما أن عدم رؤيتك لذلك العامل الروماني على الجسر، لا تعني أنه غير موجود. ليس صعباً عليك فهم هذا كذلك صحيح؟ جنديٌ بلباس مموه، يختبئ بين الأشجار، لن تتمكن من اكتشافه ما لم تهب الرياح، وتتمايل أغصان الشجر من حوله، عندها سوف يتحرك كل شيء بانسجام ويبقى هو بثباته الشاذ وسط الحركة، وحتى إن موه نفسه جيداً، سوف تكتشف وجوده عندها. انتقل به إلى صندوق زجاجي كبير، ضم عدد من الكاميرات القديمة، أشار إلى واحدة منهم. سأله: لو قرروا بيع هذه الكاميرا بالمزاد، فكم تقدر ثمنها؟ رسلان: حسب تاريخها الأثري، كلما كانت أقدم، كلما كان سعرها أغلى، لا أظنها تساوي الكثير، فتاريخها ليس بهذا القدم. أوزجان: ولكنها ما زالت تساوي أكثر بكثير من تلك الأقدم منها والمرمية في صناديق الخردة في بيوت الناس، ورثوها عن أباءهم وأجداهم، لا نفعَ منها. أضاف: كل دول العالم، تلك التي لا يحكمها اللصوص، ترفض بيع شيءٍ من آثارها، لاعتباراتٍ قومية فقط، فهي تنظر لها على أنه شيءٌ لا يقدر بثمن، وعرضها مقابل المال يبخس قيمتها التاريخية، ولكن لو عرض تمثال حجري وُجِدَ مرمياً في كهف ولا أحد يعرف قصته، يعود تاريخه لألفي عام، مقابل لوحة الموناليزا، فكيف سيقرر عقلك أيهما أغلى ثمناً؟ أجابه: الموناليزا بالتأكيد، فهي أشهر، فضلاً عن أنها لدافنشي. أوزجان: رغم أن التمثال أقدم بكثير منها؟ -نعم، الإتقان، الشهرة، اسم الفنان، يغلب الزمن هنا. -ماذا لو اكتشفنا أن هذا التمثال قد نحت بيد عيسى ابن مريم؟ -اختلف الأمر، الآن أصبح لا يقدرُ بثمن. ابتسم: ماذا لو كانت الموناليزا قد رُسِمت قبل ألفي عام؟ -ما زال التمثال أغلى، حتى لو رسمها دافينشي قبل عشرة آلاف عام. -ماذا لو افترضنا وجود تمثالين نحتهما عيسى ابن مريم بيده، واحدٌ منهما أقدم من الثاني بألف عام، أيهما سيكون أغلى ثمناً؟ -ستلعب عندها المناسبة دوراً، فلو كان الأحدث في مناسبةٍ أعظم سيكون أغلى ثمناً، والعكس كذلك. -لماذا ليس الزمن؟ صمت رسلان، يفكر، قال: لا ليس الزمن، الحجارة في الجبال أقدم من عمر البشر على الأرض ولا أحد يلتفت لها، الأمر لا علاقة له بالعمر والزمن، بل بالسبب، المناسبة، الفعل والفاعل. أوزجان: نعم، إذاً كان من الممكن أن يكون تمثالاً حجرياً صُنع اليوم، أغلى من تمثالٍ من الذهب صُنع قبل ألف عام، إن كانت مناسبته، اسم صانعه أكثر أهمية. أضاف: على عكس ما قد يبدو لك للوهلة الأولى، فالقيمة الحقيقية في التحف الأثرية ليس بسبب قدمها، بل بسبب قلة الأطُر المرجعية التي يمكننا تقدير قيمتها مقارنةً بها، فكم عدد التماثيل الأثرية المعروضة للبيع حول العالم؟ أجاب نفسه: لو فتحت متاحف العالم أبوابها وعرضت جميع مقتنياتها للبيع، فعندها ستشتري تمثالاً حجرياً أصلياً لنيفرتيتي بألفِ دولارٍ فقط وربما أقل، ويبدأ التجار يفكرون بخامة التمثال، جودته، المادة المصنوعة منه، لأنه عندها فهناك آلاف وملايين القطع الأثرية الأخرى التي تباع وتشترى، وبالتالي ملايين الأطر المرجعية التي يمكنك المقارنة بها. أما الزمن؟ فهناك الكثير الكثير منه، فهو وحده لن يزيد من قيمة شيءٍ أو يبخسه، في حقيقة الأمر فأكثر شيء موجود في هذه الدنيا هو الزمن، لا يوجد أي شيء بمقداره، لدينا الكثير منه، إن كان وحده هو الإطار المرجعي فعندها سوف تصبح قيمة كل شيء هي لا شيء، فلو وجدنا هيكل عظمي لديناصور، سيساوي الملايين، ولكن إن وجدنا مليون هيكل؟ عندها فلن يكون للزمن تلك الأهمية. والسؤال المهم هنا يا رسلان، هو متى يصبح الزمن إطاراً مرجعياً؟ وما هي الآلية التي يعمل بها العقل عندما يتخذه مرجعاً؟ رسلان: التاريخ؟ -نعم، إنه يتخذ التقويم إطاراً مرجعياً، وما هو التقويم؟ أجاب نفسه: هو خطٌ مستقيم، تقسمه عقولنا إلى ثوانٍ ودقائق وساعات وأيام وشهور وسنوات، ويتخذه إطاراً مرجعياً في كل شيء يتعلق بالزمن. خطٌ مستقيمٌ، لا وجود له في الحقيقة، خطٌ وهمي، خيالي، رسمه العقل، ليتمكن من المقارنة فقط، والمشكلة أن كل شيءٍ من حولنا قد بُني على هذا الخط الوهمي. فعندما تشتري منتج من البقالة، ستجد تاريخ الإنتاج، ويمكنك عندها مقارنة تاريخ اليوم بتاريخ الإنتاج وصلاحية المنتج، أو مقارنة منتجين ببعضها أيهما صالحٌ لوقتٍ أطول. مع العلم أن جدتي لم تكن تفعل هذا، كان يكفيها أن تشم رائحة أي شيء، أو تتذوقه بطرف لسانها لتعلم إن كان صالحاً للاستهلاك أم لا، كما تفعل القطط، وأي حيوانٍ آخر. ماذا لو كتبوا على علبة الحليب، تصبح غير صالحةً للشرب عندما تنتفخ العلبة؟ أجاب نفسه: ربات البيوت يعلمن هذا جيداً، حتى إن انتهى تاريخ صلاحية الحليب، يمكنك شربه لأن العلبة لم تنتفخ بعد ورائحته وطعمه لم يتغير، ولو تغيرت الرائحة والطعم أو انتفخت العلبة، حتى ضمن وقت صلاحيتها، يرمونها فوراً، يعلمون أنها فسدت، المصنعون يكتبون تاريخ الانتهاء بناءً على هذه القاعدة بالأساس، وهي توقعهم لموعد انتفاخها وتغير طعمها. في طب الحروب، يعالجون الأصغر سناً لأن فرصته للحياة أطول، بناءً على الإطار المرجعي وهنا هو تاريخ الميلاد، حتى إن كان الأكبر يبدو شاباً أكثر، وبصحة أفضل. حتى مواعيد موتنا يا رسلان، بعد أن تتجاوز السبعين أو الثمانين من عمرك، تبدأ تعد أيامك، حتى إن كنت تشعر أنك قادرٌ على الحياة أكثر. لا تستوعب الفكرة، فالخط الوهمي يقول لك أنك في الوقت بدل الضائع. كل شيء من حولنا، كل شيء، ابتداءً بأفكارنا، مخططاتنا، طموحاتنا، وصولاً للكمبيوتر وبرمجياته التي تنظم حياتنا، تم بناؤه على خط الزمن هذا. تأثيره هام، ينظم حياتنا، لكن مشكلتي الوحيدة معه أنه خطٌ وهمي لا وجود له في الحقيقة. فماذا لو لم يكن الزمن خطاً مستقيماً يا رسلان؟ أجاب نفسه: عندها فإننا نتعرض للخداع، في كل شيء، سنكتشف أن حياتنا كلها خدعة، وكل شيء بنيناه، صنعناه، فهمناه، ما هو إلا خدعةٌ مبنيةٌ على إطارٍ مرجعيٍ خاطئٍ، تماماً كما خدعنا صانع الفيديو بحجم الشاحنة والحجارة. وإن عرفت ما هو الزمن فعلاً، مادته، شكله، هويته، ستتخذ الإطار المرجعي الصحيح، وعندها يا رسلان سينهار كل شيء بُني على هذا التقويم الوهمي، سينهار الخط المستقيم، بما فيها ذلك الحاجز بينك وبين ذاك العامل على الجسر. ولتتمكن من هذا، فلا بد أن ترى عود الأسنان أولاً ولا بد للرياح أن تهبَ على أغصان الشجر Zero Moment - Arabic Online Post navigation Previous postNext post Related Posts الفصل الرابع والستون. على حافة الجنون December 12, 2022December 13, 2022 انتهى لتوهِ من جولته في أكثر أقسام المقر ألفا سرية، غرفة الإله كما يسمونها، أو… Read More الفصل الخمسون. خداع العقل December 12, 2022December 13, 2022 -لقد خدعوك، ما كان عليك تناول الخبز، ما حدث في الغرفة صحيح، خداع العقل موجود… Read More الفصل الواحد والستون. بوابة الإله December 12, 2022December 13, 2022 -هل أنا تحت تأثيرِ مخدرٍ ما؟! لمَ أشعر أن عقلي غير موجود! وكأنني سحابةٌ من… Read More Leave a Reply Cancel replyYour email address will not be published. Required fields are marked *Comment * Name * Email * Website Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ
الفصل الرابع والستون. على حافة الجنون December 12, 2022December 13, 2022 انتهى لتوهِ من جولته في أكثر أقسام المقر ألفا سرية، غرفة الإله كما يسمونها، أو… Read More
الفصل الخمسون. خداع العقل December 12, 2022December 13, 2022 -لقد خدعوك، ما كان عليك تناول الخبز، ما حدث في الغرفة صحيح، خداع العقل موجود… Read More
الفصل الواحد والستون. بوابة الإله December 12, 2022December 13, 2022 -هل أنا تحت تأثيرِ مخدرٍ ما؟! لمَ أشعر أن عقلي غير موجود! وكأنني سحابةٌ من… Read More